فتح الطاردة... وفتح المطرودة!

عند ظهور النتائج الاولية لانتخابات المجالس المحلية، ظهر قولان في فتح، الاول يمكن وصفه بالرسمي، فقد زف للشعب الفلسطيني بشرى الفوز الكاسح. والثاني، وهو لا وصف له، مع ان الاغلبية اعتبرت ان اعلان الفوز مجرد مكابرة، ولا يبشر باي خير في اي انتخابات قادمة، والمقصود هنا التشريعية والرئاسية. ولقد اشتهرت فتح منذ البدايات وحتى ايامنا هذه، بان يكون اي حدث يتصل بها متنازعا عليه، ما ازال الحدود الفاصلة بين الهزائم والانتصارات، ولم يعد احد متأكدا من ان خسارة ساحة بكاملها هي هزيمة ام انتصار،

تماماً كما لو ان الامر متعلق بخسارة الانتخابات في اي موقع ومجال. فاذا كان ما حدث في الانتخابات المحلية هو انتصار كاسح فكيف هي الهزيمة اذا، واذا كان ما حدث هزيمة فكيف يكون الانتصار؟؟؟؟؟

***

دعونا نقرأ الوقائع والاحداث بصورة حيادية، وقراءتي لا تلزم احدا بنتائجها او خلاصاتها ، فهي قراءة شخصية ولعل في مصلحتها ان تكون قراءة مواطن عادي. قبل ايام قليلة من الذهاب الى صندوق الاقتراع، حرصت على ان اجمع آراء وتقويم اكبر عدد ممكن من المواطنين حول قوائم مدينة الخليل، كانت الغالبية العظمى ترى ان قائمة فتح هي الافضل، واحببت الالتقاء بعدد من اعضاء القائمة، وقيادة فتح في المحافظة والمدينة، حيث ثلاثة اقاليم شمال ووسط وجنوب. ثم دعيت للمشاركة في نشاط انتخابي تؤديه قائمة فتح في المدينة، وطلب الي القاء كلمة ،وقلت باختصار انا ادعم هذه القائمة ليس لانها تضع ختم فتح على رأسها ولكن لاني اراها الافضل. فازت قائمة فتح الخليل وانا اقول الف مبروك.

***

وحين يجري الحديث عن الخليل البطين الايمن من القلب، فلا مناص من الحديث عن البطين الايسر " نابلس"، فهنالك جرى فرز نوع مختلف ، حيث ركضت فتح بسرعتها القصوى نحو الهزيمة، وخاضت معركة كان يمكن كسبها مع بعض التعديلات الطفيفة .. ان استطلاعا للرأي.. بسيطا ومحدودا، كان يكفي لان تتبنى فتح قائمة يقودها غسان الشكعة، وتجتمع فيها مثلما حدث في الخليل، اسماء تجسد توازنا معقولا يناسب مزاج مدينة نوعية مثل نابلس، ويضمن لفتح القول بحق "ان اختياراتنا وتبنينا للقائمة ادى الى نجاح جميع اعضائها" ،

فغسان ليس غريبا عن فتح فقبل قليل كان عضوا عاملا في مؤتمرها العام، ثم هو عضو في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ولا لزوم لاستعراض قوة طحن في مسنناته التي لا ترحم .. امين سر المجلس الثوري لحركة فتح.

***

ومن نابلس نذهب الى طولكرم حيث نجاح فتح، ودرس طولكرم لا يعني ان فتح نابلس اقل شأنا وتأثيرا من فتح طولكرم، بل يعني امرا فنيا لا سياسيا ولا عقائديا .. مفاده .. شكل قائمة متوازنة ولا تسحب عليها اجندات شخصية فانك ستحقق نجاحا حتميا.

***

وقبل الذهاب الى جنين قلعة فتح، التي بهرت العالم بعطائها الوطني،

نعود قليلا الى اقليم شمال الخليل، الذي شارك المواطنين انجاز العديد من المجالس المحلية بالتزكية. كان شعار فتح في ذلك المكان المميز .. يا اهل شمال الخليل قرروا بانفسكم ونحن ندعم ونحمي وننفذ قراركم، فحل الوفاق محل الصراع، وسارت الامور هناك بسلاسة منقطعة النظير. جنين التي شهدت صراعا محتدما بين فتح المطرودة وفتح الطاردة، فكانت النتيجة اخفاق الطارد ونجاح المطرود، وهذا درس يتعين قراءته بدقة، ذلك بعد التخلص من اوهام المتنفذين الذين فرضوا على جنين معركة كان بالامكان تفاديها من خلال وهم انهم يتعاملون مع جنين كما لو انها جهاز سكرتاريا، يصدرون لها الاوامر فتنفذ دون نقاش، لقد غير اهل جنين المعادلة الوهمية لمصلحة حقيقة التوازن، ونأمل ان يكون ذلك درسا للمرات القادمة دون ان نرى مكافآت للفاشلين، ومزيدا من الطرد للفائزين.

***

وفي حدث كهذا لابد من التوقف طويلا عند رام الله التي شكل رسميو الفصائل قائمة صورت لهم اوهامهم انها ستكتسح الجميع وستثبت بالاصوات ان الفصائل التي لم تنجح في انتخابات التشريعي ستعيد الاعتبار بنجاح ساحق في الانتخابات المحلية ثم الرئاسية والتشريعية والوطنية فيما بعد. شاركت في المناظرة الشهيرة التي جرت في سرية رام الله الاولى، وحضرت حفلة انتخابية تناوب فيها ممثلو الفصائل على الحديث، اما اعضاء القائمة فقد سمح لهم ان يقدموا انفسهم فقط . قلت لاحد اعضاء القائمة :- لو استمر الامر كذلك فلن ترون النجاح ابدا. سألني : بعد كل هذا الاجماع؟ اجبته انه اجماع خادع ، ان تأثير الفصائل في الرأي العام الفلسطيني اصبح سلبيا، وحتى الرجل الذي القى كلمة باسم فتح في اللقاء وكان عضو قيادي من الصف الاول، فلن يزودكم الا بصوته ان كان مسجلا في رام الله. سقوط القائمة الفصائلية الائتلافية كان اقرب الى الفضيحة، فلقد قُدمت هذه القائمة على انها حصيلة تفاهمات تجسد اقوى مظاهر الوحدة الوطنية، وقُدمت كذلك على انها منظمة التحرير والمشروع الوطني والمستقبل. كان التقديم بهذه الطريقة اشبه بالصعود الى الطوابق العليا كي يكون السقوط مميتا.

***

هذه عينات اخترتها، فيها نجاح ليس كاسحا وفشل ليس ماحقا، وبوسعنا تخيل الصورة لو ان فتح نافست غير نفسها وغير حلفائها الاوفياء، فهل سيكون ما يمكن ان يحدث نصرا؟ المهم... تحقق نصر اعمق واهم هو مجرد اجراء الانتخابات المحلية، وهذا النصر يمكن ان يتحول الى هزيمة لو لم تنجح في جعله مقدمة للانتخابات التشريعية والرئاسية والوطنية فما اخطر ان يقال : ان الانتخابات المحلية كانت بديلا عن الانتخابات التشريعية والرئاسية، وعنداذٍ يمكن استبدال وصف الفوز الكاسح بالكسيح.

جريدة القدس