أقوياء على شعوبهم ضعفاء أمام إسرائيل

فيما كان أمير قطر يقوم على رأس وفد كبير بزيارته إلى قطاع غزة، تلك الزيارة التي اكتفت إسرائيل بوصفها بالغريبة، كانت طائرات حربية إسرائيلية تقوم بزيارة غير اعتيادية، وغير مفاجئة، ولا تنطوي على شيء من الغرابة لأجواء الخرطوم. لم تكن المرة الأولى التي تقوم فيها طائرات حربية إسرائيلية بقصف، أهداف داخل السودان، فلقدسبق القصف الأخير الذي استهدف على ما قبل مصنعا للأسلحة، عددا من الآليات التي قالت المصادر الإسرائيلية أنها محملة بالأسلحة التي سيجري تهريبها لصالح حركة حماس في قطاع غزة.

لا يحتاج المرء إلى تفكير عميق حتى يعرف كيف وصلت الطائرات الإسرائيلية وأي طريق سلكت، لبلوغ أهدافها والعودة، قبل أن يعرف السودان، ماهية الحدث، فثمة إمكانية لأن تنطلق الطائرات عبر منطقة إيلات على البحر الأحمر، وتواصل طيرانها عبر الأجواء الدولية فوق البحر إلى أن تصل إلى هدفها، والعودة، ولكن ثمة إمكانية أخرة، ذلك أن إسرائيل لها علاقة قوية مع دولة جنوب السودان، حيث كانت إسرائيل من أوائل الدول التي اعترفت بجنوب السودان، كنتاج لعلاقة قديمة، وتعاون واسع، كان واحدا من أهداف لإسرائيل لدفع الجنوب السوداني نحو الانفصال، وأيضا نعرف الوصول إلى منابع نهر النيل.

خلال المرتين، كانت الطائرات الإسرائيلية، تقوم بتحليقها وقصف أهدافها والعودة بدون أية مشكلة، الأمر الذي يدعو للتساؤل بشأن قدرة الدولة السودانية قبل الانفصال وبعده، على امتلاك أجهزة رادار ووسائل أصبحت متوفرة لدى حركات تحرر تمكنها من اكتشاف أية أجسام تخترق سيادة البلد.

لم تعترف إسرائيل بما قامت به طائراتها في المرة الأخيرة، واكتفت بوصف دولة السودان على أنها ارهابية، وتدعم القاعدة والجماعات الإرهابية، الأمر الذي يطرح سؤالا على مجلس الأمن وعلى المجتمع الدولي، ما إذا كان من حق أي دولة أن تنتهك سيادة دولة أخرى بعيدة عنها، بدعوى مكافحة الإرهاب، أم ان المجتمع الدولي أخذ يتقبل سلوك إسرائيل كدولة فوق القانون، لا تستحق عليه أي نقد أو ملامة. السودان رفع شكوى إلى مجلس الأمن، والأرجح أنه قيدها ضد مجهول ذلك أن من لم تكتشف أجهزة راداراته الطائرات وهي في طريقها إلى الهدف والعودة، لا يمكن أدلة دافعة على صحة اتهام الخرطوم لإسرائيل، ولكن لو أننا افترضنا وجود هذه الأدلة فإن الكل يعرف بأن مجلس الأمن لن يفعل شيئا.

على أن المهم من هذه الحالة هو ما ينبغي على الدولة المعتدى عليها أن تفعل، وفي هذا الإطار يكتفي السودان الرسمي بتكرار رد فعل كان قد استلفه من دول عربية أخرى، أكثرت من استخدامه في حوادث، وجرائم مماثلة، ومفاده أن السودان سيرد في الوقت المناسب والمكان المناسب.

سوريا كانت قد استخدمت هذه المصطلحات بالضبط حين قام الطيران الإسرائيلي بقصف منشآت يشتبه بأنها ذات صلة بالطاقة النووية، ولم تكن تلك هي المرة الأولى التي يجري فيها استخدام المصطلح، بدون أن يحصل الرد حتى بعد مرور سنوات طويلة على وقوع الانتهاكات والجرائم الإسرائيلية. حين قرأت الخبر، فرحت لأن دولة عربية لا تحسب من كبريات الدول العربية تهتم بصناعة الأسلحة، بغض النظر عن أي أسلحة يدور الحديث، فربما تكون لانتاج الأسلحة البيضاء، او لانتاج الذخائر التي تستخدم بكثافة في الصراعات الداخلية، ذلك أنه لا توجد ماركة مسجلة لأي سلاح ناري يعتد به، لصالح السودان.

ولكن ما شأن إسرائيل بصناعة أسلحة متواضعة، توجد في دولة كالسودان، فالأسلحة، ولا السودان كدولة تهدد إسرائيل أم أن هذه الأعمال الإسرائيلية الإجرامية، لها علاقة بمواصلة الدور الإسرائيلي الذي يستهدف تمزيق ما تبقى من السودان، بعد انفصال جنوبه الذي لعبت إسرائيل في تحقيقه دورا مهما؟ المهم أن العرب يتنافخون في إظهار العداء السياسي والمعنوي لإسرائيل، ومن يستمع إلى خطابات وشعارات زعمائهم حول فلسطين والقدس، والعدوانات الإسرائيلية، يظن أنهم حرروا فلسطين أو أنهم على وشك أن يفعلوا ذلك، أما جهدهم الأساسي وربما الكلي، فينصب على قمع الجماهير والمعارضين ولحماية الأنظمة من شعوبها. نظام الدولة في السودان، لا يعترف بمسؤوليته عن انفصال الجنوب، وهو لا ولن يعترف بمسؤوليته عن استمرار وتفاقم المزيد من الأزمات والحروب التي تهدد ما تبقى من الوحدة الجغرافية للسودان، فالمهم هو حماية نظام البشير، وتطبيق الشريعة الإسلامية حتى لو أدى ذلك إلى انفصال الكثير من الأقليات التي لا تعتنق الإسلام، أو ترفض تطبيق هذا النوع من الأنظمة.

هل علينا أن ننتظر ردا سودانيا على الجريمة الإسرائيلية المتكررة، التي تنتهك سيادة وكرامة السودان والسودانيين؟ في الواقع فإننا إذا حصلنا على رد من سوريا على الجرائم الإسرائيلية المماثلة، فإن علينا أن ننتظر الرد السوداني، فردود الأنظمة تؤكدها وقائع الأحداث التي تشهد على أن الجيوش تنكفئ لتتحول إلى أدوات قمع، تضاف إلى مئات آلاف العاملين في الأجهزة الأمنية والشرطية، المكلفة بقمع تطلعات الشعوب، وفقط لحماية الأنظمة حتى لو أدى ذلك إلى تدمير الأوطان.

إن إسرائيل ستواصل القيام بما تعودت على أن يقوم به، ضد الضعفاء وسيواصل هؤلاء وتأجيل الرد إلى أزمنة وأماكن غير محدودة وغير معروفة.