لا وحدة وطنيةً ولا مشروع وطنياً بلا حق العودة

"لا تعرف البشرية الآن شعباً طرد شعباً آخر من أرضه، وبقي مستعداً لإنزال كل أنواع العقاب بالشعب الذي اغتصبت أرضه، كما لو كانت مطالبة الإنسان المضطهد بحقوقه أمراً مخالفاً للأعراف والشرائع الإنسانية".

وهذا الوضع الشاذ، لا يأتلف مع شعار "حقوق الإنسان" الشائع في القرن العشرين، وما تلاه الناقد فيصل دراج. ولا تعرف البشرية دولةً تستبدل بالقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية نصوصاً دينيةً "كأرض الميعاد" "وشعب الله المختار" "والعودة اليهودية إلى أرض الأجداد" وما يعنيه ذلك من شطب حق شعب بأكمله "السكان الأصليين - الشعب الفلسطيني" من حقوقه الوطنية والإنسانية على حد سواء.

كان في حيثيات شطب الرئيس الراحل ياسر عرفات كشريك في "عملية السلام" بعد فشل مفاوضات (كامب ديفيد 2000)، بحسب دوائر اليمين الإسرائيلي": أنه ابتدع أسلوباً سلمياً للقضاء على دولة إسرائيل هو: إعادة 5 ملايين لاجئ فلسطيني إلى إسرائيل، وتحويل الفلسطينيين إلى أكثرية، واليهود إلى أقلية".

ولهذا أصبح عرفات غير ذي صلة وهو الحاصل على جائزة نوبل للسلام قبل بضعة أعوام. "حق العودة" وتهمة النطق به، ليس الموضوع الوحيد الذي ترفضه وتحاربه الدولة الإسرائيلية، كي يخضع للسجال القانوني والإنساني وللتحكيم في نهاية المطاف، بغية البت به ووضع كيفيات وسبل تطبيقه، بما في ذلك تبديد المخاوف المتبادلة. فهذه الدولة ترفض التوقف عن مصادرة الأراضي الفلسطينية، وترفض التوقف عن إضافة إسرائيليين جدد ومستعمرات جديدة في الأراضي المحتلة، وترفض أساساً الاعتراف بالأراضي الفلسطينية كأراض محتلة، وترفض التوقف عن تغيير معالم مدينة القدس العربية المحتلة. وترفض تطبيق قرار المحكمة الدولية بإزالة جدار الفصل العنصري. وترفض عودة النازحين منذ العام 67 بالعودة إلى الضفة والقطاع.

وترفض حتى نقل صلاحيات الإدارة المدنية للسلطة بموجب اتفاق أوسلو، إسرائيل ترفض كل شيء تقريباً، وتصنع وقائع كولونيالية على الأرض، وتدمر مقومات الدولة الفلسطينية على الأرض، وتطالب الشعب الفلسطيني في الوقت عينه بالتخلي عن حق العودة، وتطالب جزءاً من الشعب الفلسطيني في مناطق الـ 48 بالانتقال إلى مناطق "الدولة الفلسطينية" غير الموجودة والتي يجري العمل الحثيث على منع إقامتها؟ أي منطق وأي بشر يمكن أن يقبلوا بهذه المعادلة الجائرة والظلم البشع؟ معادلة تنتمي لشريعة الغاب وعجرفة القوة المستندة للتفوق العسكري ليس إلا.

لقد تعرض الشعب الفلسطيني إلى أخطر عملية خداع دولية في التاريخ الحديث، عنوانها التهيئة لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي" لطرف واحد من الصراع، تهيئة الشعب الفلسطيني وحركته السياسية لجهة قبول قرارات الشرعية الدولية وما تنطوي عليه من ظلم تاريخي، مقابل دولة في أراضي 67 وعودة اللاجئين. من غير محاولة تهيئة الطرف الآخر في الصراع وهو دولة الاحتلال وشعبها لجهة الاعتراف بمسؤوليتها عن نكبة الشعب الفلسطيني والموافقة على حقه في تقرير المصير بما في ذلك إقامة دولته المستقلة.

لقد قبلت القيادة الفلسطينية هذه المساومة التاريخية والعرض الدولي بتأييد من أكثرية الشعب الفلسطيني. لكن دولة الاحتلال تعاملت مع الاستجابة الفلسطينية الرسمية والشعبية كصيغة لتصفية القضية الفلسطينية ولإذابة كل عناصر قوتها. وكان من اللافت أن كل اقتراب واستجابة فلسطينية يرافقها ابتعاد وتعنت إسرائيلي، ويواكبها صمت وتواطؤ دوليان. فكانت النتيجة بداية انقسام الشعب الفلسطيني وانقسام الحركة السياسية بعد أن كانوا موحدين على إستراتيجية حل الدولتين ومن ضمنها حق العودة، ومن يتشكك في ذلك فليراجع "قرارات المجالس الوطنية" ووثيقة إعلان الاستقلال، التي كانت أشبه بعقد وطني تلتقي عليه مصالح أكثرية الشعب الفلسطيني ومعظم حركته السياسية في الحد الوطني الأدنى.

المجتمع الدولي ـ وبخاصة الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين ـ الذي ساهم في تذليل العقبات داخل الصف الفلسطيني، لم يمارس أي ضغط على إسرائيل والإدارة الأميركية من أجل الوصول إلى استجابة إسرائيلية مماثلة للاستجابة الفلسطينية. وبقيت دولة الاحتلال تملك حق النقض وإدارة الظهر للعملية السياسية و"حق" التنصل من القانون الدولي وقرارات الشرعية، واكتساب صفة دولة فوق القانون برضا النظام الدولي. أمام تمرد دولة الاحتلال، وممارستها سياسة التوسع الكولونيالي والأبرتهايد بأبشع صورهما وأشكالهما، وأمام التقاعس الدولي الرسمي، والعجز العربي الرسمي، أمام كل ذلك فقد الشعب الفلسطيني الثقة بالعملية السياسية بشكل كامل، ومع فقدان الثقة تطفو على السطح نوازع قوية ومتعاظمة للتراجع عن تأييده السابق للعملية السياسية واستحقاقاتها كالتراجع عن تأييد قرارات الشرعية الدولية، والتراجع عن تأييد اعتراف منظمة التحرير بإسرائيل، والعودة للتمسك بكامل حقوقه الوطنية المشروعة.

هذا الموقف فيه الكثير من الوجاهة والسبب يعود إلى أن كل التنازلات السابقة أفضت إلى نتائج وخيمة ومأساوية ومذلة، وفقدت أي مبرر لاستمرارها. كيف يمكن التعامل مع هذا التطور في المزاج العام الفلسطيني العفوي والواعي؟ بداية لا تستطيع أي قيادة تجاوز المزاج العام، الذي تشكّل تدريجياً ووصل إلى لحظة فقد فيها الثقة بالعملية السياسية وبأطرافها بما في ذلك المفاوض الفلسطيني. إن هذا يستدعي استبدال الخطاب الذي ينتمي للتفاوض ويأخذ بالاعتبار الابتزاز الإسرائيلي والأميركي، إلى خطاب يعيد بناء ثقة الشعب بقدراته في إطار بدائل سياسية ووطنية أخرى. تضع تصوراً عقلانياً من زاوية وضع هدف مشترك يلبي مصلحة الأكثرية، هدف قابل للتحقيق، عبر أشكال وأساليب نضال محددة.

إن الإخفاق الكبير لا يبرر العودة إلى الجانب السلبي الرفضوي الذي لا يكترث بالإنجاز مهما كان ضئيلاً. على الضد من ذلك ثمة حاجة لإعادة تحديد الهدف المشترك القابل للتحقيق، وتحديد كيفية تحقيقه بالمعنى الإيجابي. ثمة حاجة لتجاوز "حق" دولة الاحتلال في النقض، وتجاوز مسألة الالتزام من طرف واحد.

إن الاستهتار والابتزاز الإسرائيلي يحتاج إلى رد سياسي وإلى انتزاع زمام المبادرة السياسية؛ لكن ذلك غير ممكن بوجود أزمة ثقة بين القيادة والشعب. والبداية تكون بالتمسك بحق العودة وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة باللاجئين، وإعادة النظر بالنص المتضمن في مبادرة السلام العربية الخاص بقضية اللاجئين، وإعادة النظر في اعتراف منظمة التحرير بإسرائيل التي لا تعترف بأي حق من حقوق الشعب الفلسطيني.

Mohanned_t@yahoo.com

جريدة الأيام