يجب أن يبدأ أوباما بحل القضية الفلسطينية

بقلم: عكيفا الدار

ليس سراً أنهم لم يفتحوا، أول من أمس، في البيت المحروس في شارع بلفور في القدس زجاجات الشمبانيا احتفالاً بتجديد عقد ايجار الرئيس اوباما لأربع سنوات اخرى. لدى رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، عدة اسباب ليخشى كم ان تثير ولايته التالية الى جانب اوباما (اذا نجح في تجديد العقد مع الجمهور الاسرائيلي) الشوق الى ولايتهما السابقة.

يملك اوباما اربع سنوات ليصفي الحساب مع بيبي لتأييده الظاهر لميت رومني. المؤامرة في مجلس النواب، وتجميد التفاوض مع الفلسطينيين والمستوطنات وحيل الزعامة في القضية الايرانية.

ان اوباما الآن حر في ان يُصفي الحساب مع بيبي دون ان يخشى جماعة الضغط اليهودية ودون ان يخشى مال شلدون إدلسون الذي يريد القضاء على الرئيس سياسيا. يستطيع الرئيس في فترة ولايته الثانية ان يسمح لنفسه بأن يخاطر بإخفاقات أكثر من فترة ولايته الأولى. اجل يستطيع. لكن السؤال المهم هو هل يريد اوباما ان يقضي السنين التالية في محاولة تسويغ جائزة نوبل للسلام التي مُنحت له في بداية ولايته وأصبحت فكاهة محزنة – أم يفضل ان يخصص وقته لعلاج الاقتصاد الأميركي المتعثر؟ وهل يوصيه مستشاروه بأن يبدأ تصفية الحساب في الأيام القريبة أم يُحذروا الرئيس من خطر أن يُجنده بيبي لمعركة دعاية اليمين دليلاً آخر على أن العالم كله ضدنا؟. إذا كان أوباما استطاع في فترة ولايته الأولى ان يعلق مشكلات أميركا بالعراق وأفغانستان، أي بالتركة التي حصل عليها من الرئيس السابق جورج بوش، فانه لا يستطيع في السنين التالية سوى ان يتهم الرئيس السابق براك اوباما. فهو لا يستطيع هذه المرة ان يستمتع بمئة يوم تكيف ولا حتى بعشرة أيام.

انطلق الطلب الفلسطيني بان يُرفع مستوى التمثيل في الأمم المتحدة لتصبح مراقبة وليست دولة عضواً، في طريقه. ووافق الرئيس محمود عباس على ان يُجنب المرشح اوباما الحاجة الى الاختيار بين تأييد الفلسطينيين وإضعاف تأييد المتبرعين اليهود وبين تأييد اليهود بثمن عزلة الولايات المتحدة في الجمعية العامة للأمم المتحدة. فإذا لم يحصل عباس في آخر لحظة على قدمين باردتين فسيضطر اوباما الى الاختيار بين نتنياهو وعباس. لكل اختيار سعر بالطبع.

ان إفشال المبادرة الفلسطينية سيعرض عباس على أنه أداة فارغة، وتوجد إشارات الى ان ذلك سيفضي الى استقالته بل الى حل السلطة الفلسطينية، والى فوضى في "المناطق"، والى انتفاضة ثالثة والى أزمة شديدة في العلاقات مع مصر والأردن والى عاصفة إقليمية. وفي المقابل فان تأييد المبادرة الفلسطينية بل الامتناع يتوقع ان يفضي الى خطوات عقاب لحكومة نتنياهو والى استقالة عباس والى حل السلطة والى انتفاضة وأزمة إقليمية. كل ذلك في حين أصبحت سورية، وربما لبنان أيضا، خليطا بين الصومال وأفغانستان والعراق وتبدو كالساحة الخلفية لإيران.

اذا كان يوجد شخص واحد في العالم يستطيع ان يعرض بديلا ثالثا يمنع السيناريوهات المرعبة هذه فهو باراك اوباما. لم يعد الناخب الأميركي يستطيع ان يُذكره بالالتزام القاطع الذي صدر عنه في حزيران 2009 في خطبة القاهرة والمتعلق بحل الصراع: "أنوي ان أُفضي الى تحقيق هذا الهدف بصورة شخصية وبكامل الصبر الذي تتطلبه هذه المهمة". لكن يمكن ان يتبين في الأيام القريبة ان البديل عن تحقيق هذا الهدف ليس هو تأبيد الجمود السياسي واستمرار الهدوء الأمني.

ولن يكون تأييد نتنياهو، أي معارضة المبادرة الفلسطينية في الأمم المتحدة، لطمة للنفس لزعيم وعد في ذلك المقام بأن "الولايات المتحدة لن تُدير ظهرها للطموحات الفلسطينية المشروعة الى دولة خاصة"؛ لأنه إذا هرب الرئيس الذي أعلن آنذاك بأن "الحل الوحيد لطموحات الطرفين هو دولتان تعيشان جنبا الى جنب في سلام وأمن"، من الشرق الأوسط فان الشرق الأوسط سيطارده. إن اوباما طراز 2012 يختلف عن اوباما 2009 والقاهرة، كالعالم العربي كله الذي يختلف تمام الاختلاف عما كان عليه في بدء أيام ولايته.

فالواقع الجديد الذي نشأ في الشرق الأوسط يُعرض الولايات المتحدة لتحديات جديدة وقواعد لعب مختلفة. وتقترح وثيقة سياسية أمنية أعدها مدة شهور طويلة فريق خبراء برئاسة توماس بيكرينغ – الذي كان نائب وزير الخارجية في إدارة كلينتون وكان سفير الولايات المتحدة في روسيا وفي الأمم المتحدة وفي اسرائيل – تقترح على الرئيس ان يطوي التوجه القديم الذي يقول ان "الولايات المتحدة لا تستطيع ان تُريد السلام أكثر من الطرفين أنفسهما".

ان الوثيقة التي صاغها جيفري أرونسون، مدير البحث في صندوق السلام في الشرق الأوسط، والعقيد المتقاعد فيليب دريمر تؤكد ان مشاركة فاعلة في حل الصراع هي مصلحة أميركية عليا. ويقترح الخبراء، ومنهم طائفة من العسكريين الأميركيين الكبار، على الإدارة القادمة ان تعرض خطة تشتمل على اعتراف بالسيادة الفلسطينية على أساس مبادرة السلام العربية ومخططا أمنيا يقوم على انتشار قوة رقابة دولية – عربية في أراضي فلسطين. ويقترح الفريق على الرئيس الأميركي أن يعرض على إسرائيل صفقة السيادة الفلسطينية مقابل أمن إسرائيل. ويشمل عنصر الأمن الحفاظ على تفوق اسرائيل النوعي.

وفي مقابل تخلي بيبي عن حلم "ارض اسرائيل شبه الكاملة" يغض اوباما الطرف عن غياب اسرائيل عن مؤتمر هلسنكي لنزع السلاح الذري من الشرق الأوسط ويفي بوعده بألا تنضم ايران الى هذا النادي. لم يرفعوا كؤوس الشراب، أول من أمس، في المقاطعة في رام الله كما كانت الحال في بيت رئيس الوزراء أيضا، فمنذ ان استعمل اوباما النقض في مجلس الأمن ضد قرار التنديد بالمستوطنات، كف الفلسطينيون عن تعليق الآمال عليه، وقد قال لهم عدد من رؤساء الدول في أوروبا انه إذا انتُخب ميت رومني رئيسا فسيكون التصويت معهم أسهل عليهم، فهم غير مدينين لرومني بشيء.

عن "هآرتس"