أبو مازن بين يمينيـْن!

الهجمة الفلسطينية على الرئيس محمود عباس قالت عن الحالة الفلسطينية أكثر مما قالت عن الرئيس الفلسطيني. شكلت عودة على بدء وغرقاً في النسق ذاته حدّ التخوين! كأن أبو مازن كشف السرّ المعلن وهو حتمية تقديم الفلسطينيين تنازلات قاسية من ناحيتهم ضمن أي تسوية سياسية محتملة مع المجتمع الإسرائيلي.

وكأنه، عندما اعترف بأنه سيقدم هو شخصياً تنازلاً كهذا (التسليم بعدم العودة إلى صفد مسقط رأسه)، كشف الفجوة بين الخطاب الفلسطيني في مستوى الأماني وبين ممكناته على الأرض، فأراد البعض أن يسدّ الفجوة بـ «قتل» الرئيس وتخوينه! أو كأنه عندما صوّب النظر إلى عيون الإسرائيليين وأكّد أن الحل الذي يتطلع إليه وشعبه هو حل إنساني واقعي، سارع الغيبيون الفلسطينيون إلى الانقضاض على نصه باعتباره خروجاً على الرواية الفلسطينية وتقويضاً لها! وكأنه عندما قال إنني قوي وثابت بروايتي وإنسانيتي وليس ببندقيتي (لا لانتفاضة ثالثة ولا لإرهاب بحجة القضية) قوّض واحداً من الثوابت التي يتمسك بها المتحصنون خلف دمائهم وصوّر استشهادهم سُدى! لمصلحة الرجل أنه جاء من الجناح المدني في «فتح» وأنه لا يُخفي رفضَه لمواصلة المراهنة الفلسطينية على العنف، أو ما اصطلح على تسميته «العمل العسكري» أو «خيار المقاومة» تجميلاً للموت العبثي ضمن لغة سياسية عبثية وثقافة الموت المجاني. ولمصلحته أنه لا يُطعم شعبه جوزاً فارغاً ولا يُجيد التصريحات الشعبوية ولا يتعمّد دغدغة المشاعر. لمصلحته أنه واضح في ما يقوله من لغة السياسة بعيداً من لغة الأماني.

لغة تقول بواقعية الحلّ ونسبيته وإن كانت القضية الفلسطينية عادلة بالمطلق. فالذي قاله للتلفزيون الإسرائيلي هو أن للشعب الفلسطيني مشروعاً إنسانياً يأتي من لغة العلوم السياسية والقانون الدولي والتجارب الإنسانية، وأنه يُدرك تماماً ككل فلسطيني مُدرك أن حلّ «دولتان لشعبين» يفرض على الفلسطينيين استحقاقات صعبة مثلما له استحقاقات على المجتمع اليهودي وأنه يعدّ شعبه للحظة الحسم. سيدفع الفلسطينيون ثمنه تماماً كما يعتقد الإسرائيليون أنهم فاعلون. هذا هو منطق تقاسم الأرض بين الشعبين بصيغة من الصيغ المتداولة.

إنه الألم الذي أحست به تلك المرأة التي تنازلت أمام سليمان عن ابنها لضمان بقائه حياً! هذا هو نصيب الفلسطيني في حلّ تقاسم الجغرافيا. وقد عبّر عنه أبو مازن بأبسط ما يكون وأوضح ما يكون. يعرف أبو مازن وجميعنا يعرف (ولكنه يحرف) أن مسألة عودة مسألة اللاجئين لا يُمكن إلا أن تكون بالتفاوض مع الجانب الإسرائيلي.

هذا إذا كان الحل تفاوضياً أو سياسياً كما هو مأمول. وقد يضطر الفلسطينيون كالإسرائيليين إلى تجرّع كأس السمّ رمزياً بدل الاقتتال إلى أبد الدهر حد الإبادة! لا يُمكن التحدث عن حق العودة إلا ضمن هذه المعطيات والوقائع. هذا هو شرط أي تسوية. والتسوية شرط كل حديث عن حق العودة للاجئين. حتى في إطار حلّ الدولة الثنائية القومية في فلسطين من البحر إلى النهر، سيظلّ حق العودة للاجئين موضوعاً مستعصياً. وفي إطار مصالحة تاريخية بين الشعبين سيكون حق اللاجئين مسألة للتفاوض والكرّ والفرّ. وهو ما قاله أبو مازن على طريقته.

هذه هي طبيعة اللغة السياسية التي يبدو أبو مازن أنه يُتقنها جيداً. وهذا هو مصدر انزعاج القيادة الإسرائيلية الحالية من خطابه السياسي المدني القائم على الديبلوماسية بعد عقود انحكم المشروع الفلسطيني خلالها للبندقية أو للعنف غير المحسوب. عنف انزلق إلى تدمير ذاتي وإلى إرهاب غير مبرّر. ينبغي قول ذلك بصوت فلسطيني واضح ومن أعلى المستويات. وهو ما فعله أبو مازن: قول لا يُضعف الفلسطينيين ولا روايتهم، بل يجعلها قابلة للتصريف ضمن الممكن السياسي وضمن حدود الأخلاقيات السياسية.

بدا الرئيس الفلسطيني في ذروة إنسانيته عندما حكى قصته كلاجئ من صفد. وهي نقطة قوة في خطابه وليست ضعفاً على الإطلاق، لأنه أعاد للفلسطيني صورته الحقيقية، صورة الإنسان الذي يتطلع إلى ما يتوق إليه كل إنسان، تحقيق الذات، ولو على حساب تنازلات عن حقوق أخرى بوعي تام. لكننا منكوبون كشعب وثقافة بتمثيلات «البطل» و «الشهيد» و «العنقاء»، وما إلى ذلك من حُجب تستر ضعفنا الإنساني مصدر قوتنا. بدا أبو مازن واقعياً وصاحب مشروع قابل للحياة.

بدا أكثر تأثيراً في عدوّه وكاشفاً إصرار هذا العدو على مناكفة التاريخ ومعاكسة العالم والطبيعة. هجوم اليمين الإسرائيلي على أبو مازن متزامناً مع هجوم اليمين الفلسطيني عليه، هو الشهادة بأن الرجل بدا صادقاً مع شعبه ومع الآخر عندما تحدث خروجاً من الرواية إلى رحاب الواقع اليومي ومن أسر خطاب التمني والحنين إلى آفاق مفتوحة على المعقولية السياسية.

جريدة الحياة