تصورات أولية حول التمثيل الفلسطيني وإعادة بناء المشروع الوطني

تستحضر أزمة المشروع الوطني والحديث عن إعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية حقيقة تاريخية وهي أن المشروع الوطني الحديث منذ بداياته الأولى مع  منظمة التحرير عام 1964 لم يكن مشروعا وطنيا خالصا ولم يكن ميثاق المنظمة برنامجا وطنيا خالصا، فدوما كانت المحددات الخارجية العربية والإقليمية والدولية حاضرة في تأسيس وتطور النظام السياسي الفلسطيني. هذا الاستحضار للتاريخ مفيد ونحن بصدد التفكير بإعادة بناء وتفعيل المشروع الوطني من خلال عنوانه الرئيس منظمة التحرير، فسقوط أنظمة ودول عربية وإقليمية وصعود أخرى،وانهيار نظام دولي وصعود آخر،كل ذلك لا يغير من حقيقة قوة تأثير المحددات الخارجية في القضية الفلسطينية وفي الخيارات الكبرى للشعب والقيادة.

إن قوة تأثير العوامل الخارجية في النظام السياسي الفلسطيني نلاحظها اليوم من خلال ارتهان المصالحة بالحالة العربية والإقليمية، فالفلسطينيون عجزوا عن تحقيق المصالحة اعتمادا على الذات،وهكذا تنقل ملف المصالحة من السودان إلى اليمن إلى مكة ثم القاهرة فالدوحة، حتى السينغال حاولت لعب دور في عملية المصالحة. كما أن الانجازات التي تم تحقيقها من خلال مواجهة العدوان على غزة والتصويت لصالح فلسطين في الأمم المتحدة لم يتولد عنها دينامكية ذاتية لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه من تفاهمات المصالحة،وينتظر أطراف المصالحة تطور الأوضاع في مصر ليعودوا إلى طاولة الحوار، ولا ندري هل ستصبح المصالحة في حكم المؤجل ما استمرت الأوضاع غير مستقرة في مصر؟ وما هو الحال إن تدهورت الأمور أكثر في مصر؟

وفي نفس السياق فإن التصويت لصالح الاعتراف بفلسطين دولة مراقب سيغير من أولويات القيادة والشعب خصوصا  أولوية إعادة بناء منظمة التحرير، لصالح أولوية تجسيد مؤسسات الدولة. وكما سنوضح لاحقا فإن القرار الأممي وبالرغم من عدم الزاميته إلا أنه سيجعل مركز ثقل الاهتمام والعمل السياسي متجها نحو الدولة وليس منظمة التحرير.

الجزء الأول

البيئة التمكينية والفرص المتاحة لإعادة بناء المنظمة كمدخل للمصالحة

نتائج العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة منتصف نوفمبر 2012 الذي توج بصفقة تهدئة بين حركة حماس وإسرائيل واعتبرتها حركة حماس نصرا لها ولنهج المقاومة، ثم التصويت لصالح قرار فلسطيني يمنح فلسطين صفة دولة مراقب وهو ما اعتبرته منظمة التحرير نصرا لنهجها السياسي السلمي، كلا الحدثين استنهضا حالة شعبية وحدوية حتى وإن كانت عاطفية، قد تشكل حالة ضغط على النخب السياسية تدفعها لتحريك ملف المصالحة،وخصوصا أن مباركة حركة حماس خطوة الرئيس بالذهاب إلى الأمم المتحدة لها دلالة سياسية حيث تضمر اعترافا من حماس بهدف الدولة في قطاع غزة والضفة،كما أن صفقة التهدئة التي وقعتها حماس بوساطة مصرية تتضمن رسائل سياسية وخصوصا فيما يتعلق بوقف ( الأعمال العدائية) بين الطرفين – غزة وإسرائيل- حيث تضمر  وقف المقاومة أو الأعمال المسلحة وهذا احد مطالب أو شروط الرباعية للاعتراف بحركة حماس.

وهكذا إن كانت كلا الخطوتين من حماس تؤشران إلى تجسير الفجوة في المواقف بين منظمة التحرير وحركة حماس إلا أن تضخيم حركة حماس للنصر العسكري الذي حققته من خلال أطلاق الصواريخ على مدن إسرائيلية ثم بنود صفقة الهدنة تتضمنان أيضا عناصر قد تدفع نحو مزيد من  تكريس الانقسام الجيوسياسي بين غزة والضفة، وهو الأمر الذي يثير تخوفات من معادلة جديدة ستترتب عن صفقة الهدنة ستعيد ترتيب علاقة قطاع غزة بمصر وإسرائيل والضفة الغربية.

في الجهة الأخرى، فإن (نصر) الاعتراف بفلسطين دولة غير عضو في الأمم المتحدة هو حصيلة دبلوماسية الرئيس أبو مازن وكذلك حصيلة التعاطف الدولي مع معاناة أهل غزة وصمودهم في  مواجهة الممارسات العدوانية الإسرائيلية، وهي أمور وظفها الرئيس أبو مازن في خطابه قُبيل التصويت على القرار. النصر السياسي في الأمم المتحدة سيفرض تحديات على منظمة التحرير ومجمل النظام السياسي، فإن كان عزز من موقف الرئيس أبو مازن ومن خيار السلام الذي يؤمن به إلا أنه سيؤدي تدريجيا إلى تهميش دور المنظمة بحيث ستصبح (الدولة) مرجعية للفلسطينيين كما أن دول العالم ستنحو نحو مزيد من التعامل مع مؤسسات الدولة كممثل للشعب بدلا من منظمة التحرير. بالإضافة إلى ما سبق فإن الاعتراف بفلسطين دولة مراقب سيطرح إشكالات قانونية وسياسية ذات صلة بمكانة منظمة التحرير ودورها المستقبلي وعلاقتها بالدولة من جانب وبالسلطة من جانب آخر.

هذه المستجدات ستضاف إلى الإشكالات القديمة حول التمثيل والمرجعيات الفلسطينية، الأمر الذي يجعل  كل محاولة للتصدي لمعالجة أزمة التمثيل الفلسطيني تصطدم بما هو أكبر من مجرد الاختلاف على آلية الانتخابات أو النسب التمثيلية. الموضوع ليس مجرد إحلال حزب  محل حزب على رأس سلم القيادة والتوجيه، فإشكاليات التمثيل القديمة والجديدة نتاج لأزمة أكبر وأعمق تعكس حالة ألا يقين عند الفلسطينيين حول حقوقهم المشروعة وقدرتهم على تحقيقها،أزمة لها علاقة بمفهوم المشروع الوطني من حيث أيديولوجيته وأهدافه وأدوات تنفيذه، فالصراع على التمثيل اليوم يعكس صراعا وجدانيا وأيديولوجيا بالإضافة إلى الخلافات السياسية،ثم جاء الانقسام ليضيف صراعا حول السلطة ومغانمها، كما أنه ذو صلة بالمتغيرات الإقليمية والدولية، فتاريخيا كان المشروع الوطني محصلة توازن هش بين القدرات الذاتية الفلسطينية والرغبة باستقلالية القرار الوطني من جانب ومشاريع وأجندة دول الجوار من جانب آخر.

إن كان يجوز لنا القول بأن الاختلاف على الأهداف ووسائل تحقيقها أمر محايث للحركة الوطنية الفلسطينية منذ سنواتها الأولى، حيث لم تستقر منظمة التحرير على أهدافها وإستراتيجية تحقيقها سوى سنوات قلائل – 1964- 1971- إلا أن اختلافات تلك الحقبة كانت في بيئة عربية ودولية تسمح بشكل من التعايش بين القوى المختلفة داخل منظمة التحرير،كما أن عدم وجود سلطة ومغانم سلطة كان يحد من إمكانية تصعيد الخلافات إلى درجة الاقتتال الدموي.

قبل الشروع في إبداء المقترحات والتصورات حول إعادة بناء التمثيل الفلسطيني في إطار إنجاز هدف المصالحة، فإن حالة من الشك تنتابنا حول مصداقية حركة حماس بالمشاركة في منظمة التحرير الفلسطينية للسببين التاليين :-

الأول : عقائدي مبدأي. فحركة حماس كجماعة إسلام سياسي تقول بأنها امتداد لجماعة الإخوان المسلمين لا تقبل أن تندمج أو تشارك في جماعة سياسية واحدة أو إطار واحد مع أحزاب وقوى علمانية وليبرالية، وهذا شان ليس خاص بحركة حماس بل يخص كل جماعات الإسلام السياسي في العالم العربي والإسلامي حيث هناك قوى إسلامية في جانب وقوى ليبرالية وقومية وعلمانية في الجانب الآخر، وما يجري في مصر وتونس نموذجا لذلك. وقد يجري مع وضع الميثاق الوطني ما يجري في مصر حول وضع الدستور.

الثاني : الخوف من الاستحقاقات السياسية للمشاركة في النظام السياسي. حركة حماس لا ترفض الانتخابات وخصوصا التشريعية خوفا من الهزيمة فقط بل ومن النصر أيضا،فهزيمتها قد تفقدها السلطة في غزة وبالتالي  يهدد المشروع الإسلامي الذي تمثله، و لكن فوزها في الانتخابات  سيفرض عليها شراكة سياسية مع قوى ليبرالية وعلمانية من الصعب التوصل إلى قواسم مشتركة بينهم، كما أن فوزهم في الانتخابات التشريعية سيفرض عليهم تحمل مسؤولية السلطة والحكومة في كل مناطق السلطة وبالتالي مواجهة شروط إسرائيل والرباعية، وحركة حماس تعرف انه إن كان مسموح لها بتملك السلطة في غزة لأن إسرائيل لا تريد حكم غزة،فأنه غير مسموح لها بالحكم في الضفة لأن إسرائيل تريد الضفة لنفسها.

 

الجزء الثاني

المقترحات حول إعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير كمرجعية وطنية

ثقل وطأة التجربة التاريخية والشكوك المُثارة حول جدية جماعات الإسلام السياسي الفلسطينية وخصوصا حركة حماس بالدخول في النظام السياسي بعد الربيع العربي، بالإضافة إلى واقع الاستيطان  والتهويد، كل ذلك يجب أن لا تثنينا عن السعي الدءوب للبحث عن مخارج للأزمة، وفي هذا السياق يأتي الجهد المشكور لإدارة مبادرة الأزمات الفنلندية (CMI) والمركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية – مسارات.

سنقارب إشكالية التمثيل الفلسطيني وإعادة بناء المشروع الوطني انطلاقا من الأسئلة التي تطرحها الورقة الموجهة للنقاش التي أعدها الدكتور جميل هلال.

أولا - مجلس تأسيسي للإشراف على إعادة البناء

لا شك أن أول وأهم سؤال يجب التصدي له في سياق الحديث عن إعادة بناء واستنهاض منظمة التحرير هو الجهة التي ستتولى تلك المهمة، فإذا كانت الأحزاب والسلطتين والحكومتين مأزومين بل تُحملها الجماهير مسؤولية الأزمة فكيف يمكن الاطمئنان إليها لتقوم بعملية إعادة البناء؟ وإذا كان الشعب يعيش حالة شتات وانقسام حاد فكيف يمكنه تغيير الأوضاع أو الخروج في ثورة ليقول بإسقاط النظام ؟.

ونحن نفكر بوضع الميثاق نستحضر ما يجري في مصر حول وضع الدستور،فالميثاق سيكون بمثابة دستور الشعب الفلسطيني للمرحلة المقبلة. الآلية التي نراها للقيام بمهمة إعادة البناء هي توسيع الإطار القيادي المؤقت لمنظمة التحرير الذي تم الاتفاق عليه في القاهرة والدوحة من خلال إشراك ممثلين عن مؤسسات المجتمع المدني والاتحادات الشعبية وشخصيات وطنية أكاديمية ومهنية من الداخل والخارج ليصل العدد حوالي المائة و يقوم الإطار القيادي لمنظمة التحرير بالتوافق على الأعضاء الجدد، على أن لا تزيد نسبة ممثلي الأحزاب والفصائل عن نصف أعضاء الإطار القيادي الجديد.

يصبح الإطار الجديد بمثابة (مجلس تأسيسي) يتكلف بعملية إعادة بناء المنظمة كما نصت على ذلك وثائق الوفاق الوطني وورقة المصلحة المصرية، ويشمل ذلك صياغة ميثاق المنظمة و يمكن الاستئناس بوثيقة الوفاق الوطني بهذا الشأن،كما يمكن لهذا (المجلس التأسيسي) الاستعانة بخبراء من جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ليُضفى على الميثاق بعدا قوميا وإسلاميا.ويمكن لهذا المجلس أيضا أن يقترح مسمى بديلا لمنظمة التحرير إن لزم الأمر ويتم مراسلة الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية والعربية لاعتماد المسمى الجديد، أيضا إعادة صياغة وتحديد علاقة منظمة التحرير بالسلطة الوطنية وبالدولة التي اعتمدت كمراقب في الجمعية العامة للأمم المتحدة.

ثانيا-  التراضي والتوافق بديلا عن الانتخابات 

بالرغم من أن الانتخابات عنوان الديمقراطية وهي المقياس الرئيس على شرعية من يتولى السلطة والحكم، إلا أن آلية الانتخابات ليست مدخلا وحيدا لحل الإشكاليات السياسية لشعب يخضع للاحتلال ومنقسم انقساما حادا أيديولوجيا وجغرافيا،وقد رأينا كيف أن  نتائج انتخابات يناير 2006 بدلا من أن تحل استعصاءات النظام السياسي زادت الأمور سوءا وأدت إلى حرب أهلية ثم الانقسام الذي نعيشه اليوم، ولذا نرى أن التوافق والتراضي مدخلا يجب التفكير به وأخذه بعين الاعتبار في عملية إعادة بناء المنظمة إلى حين توفر الظروف المناسبة للانتخابات. ولذا نرى أنه بعد وضع مسودة الميثاق من المجلس التأسيسي المُشار إليه ومصادقة كل الفصائل والأحزاب السياسية عليه، يتم عرضه على استفتاء شعبي في الضفة وقطاع غزة وتكون نتيجة الاستفتاء ملزمة لجميع الفلسطينيين،ونقترح أن تكون النسبة المطلوبة ثلثي أصوات المصوتين. وإن لم تسمح إسرائيل بإجراء الاستفتاء تتم إجازة الميثاق بالتوافق أو بالانتخاب داخل المجلس التأسيسي.

وفي حالة تعثر إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني كما نصت على ذلك وثيقة المصالحة وفي حالة إقرار الميثاق من خلال الاستفتاء – بأغلبية الثلثين-  يصبح المجلس التأسيسي أو الإطار القيادي المؤقت الموسع بمثابة المجلس الوطني الفلسطيني الجديد.

ثالثا- إعادة النظر في دوائر  منظمة التحرير ومقراتها

مطلوب إعادة النظر في وجود بعض دوائر منظمة التحرير القديمة، والعمل على التنسيق وتوزيع الصلاحيات بين دوائر المنظمة ومؤسسات الدولة الوليدة حتى يتم تجاوز التضارب في الصلاحيات الذي كان يحدث بين مؤسسات المنظمة ومؤسسات السلطة. لا شك أن حالة السيولة السياسية أو عدم الاستقرار في العالم العربي، وكذا الاحتلال الإسرائيلي لأراضي الدولة الفلسطينية، سيجعل من الخطورة  وضع دوائر منظمة التحرير في مكان واحد، ولذا نقترح أن تتوزع هذه الدوائر أو المؤسسات مؤقتا في أكثر من مكان. ونرى انه من المفيد أن يكون مقر المنظمة داخل قطاع غزة بعد ان يصبح قطاع غزة جزءا  خاضعا للشرعية الوطنية الناتجة عن المصالحة،ولا مانع من تواجد غالبية مؤسسات المنظمة في الضفة وغزة حتى في ظل الاحتلال، فحال مؤسسات المنظمة سيكون كحال مؤسسات السلطة ومقرات الأحزاب، وتتوزع بقية المؤسسات في الأردن ومصر، وفي حالة استقرار الأوضاع العربية يمكن الامتداد إلى سوريا ولبنان. 

رابعا -  مصادر تمويل مؤسسات ونشاطات منظمة التحرير

الأزمة المالية لمنظمة التحرير ترجع في جزء منها إلى أن المصادر الممولة والداعمة باتت تحول المال إلى السلطة بدلا من المنظمة، ولكون السلطة الفلسطينية همشت المنظمة وألحقتها بها ماليا، وعليه فإن أزمة السلطة المالية  تنعكس على المنظمة والشروط التي تخضع لها السلطة في عملية التمويل تنسحب على المنظمة. الأمور قد تتغير في حالة إعادة الاعتبار للمنظمة بالمصالحة ومن خلال ما سيطرأ على وضع السلطة من تغييرات بعد الحصول على فلسطين على صفة دولة مراقب.

في حالة إنجاز المصالحة وإعادة بناء التمثيل الفلسطيني ومنظمة التحرير بنية حسنة، يفترض أن الملايين التي تتدفق على الأحزاب مباشرة ستذهب إلى الصندوق القومي لمنظمة التحرير أو لخزينة الدولة، وعلى منظمة التحرير أو الدولة أن تراقب مصادر التمويل الخارجية للأحزاب، كما انه من خلال إعادة النظر في العلاقة بين منظمة التحرير والسلطة التي يُفترض أن تتحرر من التزامات أوسلو فإن الدول العربية والصديقة ستقدم مساعداتها إلى منظمة التحرير أو المرجعية الجديدة مباشرة وليس إلى الأحزاب أو السلطة. بعد إعادة بناء منظمة التحرير التي ستمثل الكل الفلسطيني يمكن للمنظمة أو للدولة (الفلسطينية) أن تدخل في اتفاقات وتفاهمات مع الدول العربية والإسلامية لتامين تغطية مالية ثابتة للمنظمة، وللبحث في آلية لجمع مساهمات من الفلسطينيين المقيمين في الشتات كما كان الأمر سابقا حيث كان يتم اقتطاع نسبة 5% من مداخيل الفلسطينيين العاملين في الدول العربية. ويبقى كل هذه الأمور معلقة بما ستؤول إليه المصالحة من جانب وبمستقبل السلطة بعد قرار الاعتراف بفلسطين دولة غير عضو، كما أن إعادة النظر باتفاق باريس الاقتصادي قد يوفر مداخل جديدة للفلسطينيين.

خامسا - إشكالية الصفة التمثيلية للمنظمة ووظائفها

كما سبق ذكره فإن المجلس التأسيسي المشار إليه – ونقترح ألا يزيد عدده عن مائة عضو – سيشكل لأول مرة بالتوافق وهو الذي سيبحث في أمر تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في اتفاق المصالحة،وإن كنا نعتقد انه في ظل تصاعد العدوان والتهديد الإسرائيلي للفلسطينيين في الضفة وغزة، وفي ظل حالة عدم الاستقرار في العالم العربي، وفي ظل الانقسام الجغرافي وتوابعه، فإن (التراضي والتوافق) على أعضاء المجلس الوطني سيكون الحل الأنسب.داخل نسبة 50% المخصصة للأحزاب – 50 عضو -  نقترح أن يكون لحركة فتح الثلث ولحركة حماس الثلث ويتم توزيع الثلث المتبقي بين بقية الفصائل -. أما بالنسبة للجنة التنفيذية فيجب أن تنتخب من داخل المجلس الوطني الجديد  على أساس نسبي حتى يمكن ضمان تمثيل عدد كبير من الأحزاب والشخصيات الوطنية.ويتم انتخاب رئيس المنظمة مباشرة من المجلس الوطني.

وبالنسبة لفلسطينيي الخط الأخضر، فإن صيغة لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية داخل الخط الأخضر، تم تجاوزها بعد توقيع اتفاقية أوسلو وقيام السلطة، وستصبح متجاوزة أكثر بعد قرار الاعتراف بفلسطين دولة غير عضو، وسيبقى الأمر منوطا بتداعيات ما بعد القرار. نقترح في هذا السياق وبالنسبة للتجمعات الفلسطينية الأخرى خارج الوطن أن تُشكل ( لجان الأخوة الفلسطينية) أو تطوير وتوسيع مؤسسة (الجالية الفلسطينية) الموجودة في أكثر من بلد. بحيث يفرز الفلسطينيون في كل تجمع ومن خلال التوافق بين القوى الفاعلة في كل تجمع من يمثلهم ويكون عدد المندوبين متناسبا مع عدد التجمع، وهذا ينطبق على فلسطينيي الخط الأخضر والأردن ولبنان وسوريا وكل دول الشتات،إلى أن تتاح فرصة إجراء الانتخابات بحرية.

مع أن قرار الجمعية العامة بقبول دولة فلسطين عضو مراقب أشار إلى أن ذلك لن يؤثر على الصفة التمثيلية لمنظمة التحرير إلا أننا نعتقد أن تساؤلات كبرى تطرح حول مستقبل المنظمة وقيمتها وصفتها التمثيلية بعد صدور القرار، بالإضافة إلى التخوفات التي يطرحها البعض فيما يتعلق باللاجئين و(الحقوق التاريخية ) وحق تقرير المصير، وهم محقون،يمكن تبديدها من خلال التمسك بكل القرارات الدولية الخاصة بفلسطين،ومن المعروف أن قرارات الشرعية الدولية لا تسقط بالتقادم، ولا تسقط إلا إذا تم التصويت على  قرار دولي من نفس جهة الصدور يلغي القرار السابق كما جرى مع القرار الذي صدر عن الجمعية العامة 1975 حول اعتبار الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري، تم إلغائه عام 1992 بتصويت في الجمعية العامة على إلغائه.

المشكلة في رأينا،هل أن القيادة الفلسطينية مستعدة للذهاب في المواجهة السياسية مع إسرائيل وواشنطن إلى نهاية المعركة بحيث تبني على القرار ألأممي بالدولة ممارسات على الأرض بإلغاء حكومة سلطة أوسلو وتشكيل حكومة الدولة الفلسطينية وبداية ممارسة أشكال سيادية على الأرض ؟أم ستتراجع وتبحث عن حلول وسط مع إسرائيل وواشنطن؟ فإن كان الرئيس والفلسطينيون يريدون تفعيل القرار وإعطائه قيمة عملية فيجب أن ينتقل مركز الثقل والتوجيه في العمل السياسي الفلسطيني إلى الدولة من خلال ممارسات على الأرض تعكس وتعبر عن الحالة الجديدة، أو بمعنى آخر دولنة كل المؤسسات الفلسطينية.ونعتقد انه كلما خطت الدولة الفلسطينية خطوة للأمام كلما تراجعت مركزية منظمة التحرير في العمل السياسي، وربما تتحول المنظمة مع مرور الوقت لحزب داخل الدولة كما جرى مع جبهة التحرير الجزائرية بعد الاستقلال.

سادسا-  إشكالية تمثيل الفلسطينيين في الأردن

شهدت الأشهر التي سبقت التصويت على قرار عضوية فلسطين حديثا علنا أحيانا وفي الكواليس حينا آخر حول البديل الأردني وإيجاد صيغة من العلاقة بين سكان الضفة والأردن، بل تحدث الأمير حسن بوضوح عن عودة الدور الأردني في الضفة. زيارة الملك عبد الله لرام الله يوم الخميس 7-12-2012 وإن كانت زيارة مباركة للرئيس بعضوية فلسطين إلا أننا نعتقد أنها تعبر عن انشغال إن لم يكن قلقا أردنيا من تداعيات الاعتراف بفلسطين دولة على وضع اللاجئين الفلسطينيين في الأردن ومستقبل العلاقة بين البلدين.

سيكون من الصعب إجراء انتخابات في الأردن لعضوية المجلس الوطني أو للتصويت على الميثاق بدون تفاهمات مسبقة بين الرئيس أبو مازن وملك الأردن على أن مشاركة الفلسطينيين /الأردنيين في الانتخابات حالة استثنائية لا تتعدى دلالتها السياسية على المساهمة في إعادة بناء منظمة التحرير، وأن المشاركة لن تغير شيئا في الوضعية القانونية والسياسية للمشاركين،وأن مسألة المواطنة ستبقى شانا أردنيا. وفي حالة عدم إجراء الانتخابات،وهذا ما نعتقد، يرسل الفلسطينيون في الأردن الذين يريدون ترشيح أنفسهم لعضوية المجلس الوطني بأسمائهم أو قوائمهم إلى المجلس التأسيسي المشار إليه للتصويت عليها.

سابعا -  مسألة "كوتا" الشباب والنساء في انتخابات أعضاء المجلس الوطني

كوتا الشباب أمر يجب إعادة النظر به ولا نعتقد انه من المناسب طرح هذا الموضوع غير المسبوق في العالم، ولكن يعود للشباب أنفسهم فرض حضورهم داخل أحزابهم ومن خلال العمل الدءوب،أما كوتا النساء فسبق الأخذ بها وطبقت خلال الانتخابات الأخيرة، وفي حالة إجراء الانتخابات يمكن تطبيق نفس الآلية السابقة،وفي حالة اللجوء إلى آلية (التوافق والتراضي) يمكن اعتماد نفس النسبة للنساء. 

ثامنا -  حول مصير السلطة الفلسطينية

سيكون مصير السلطة مطروحا للنقاش بعد إعادة بناء منظمة التحرير،ذلك أن السلطة القائمة سلطة حكم ذاتي منبثقة عن اتفاقية أوسلو، كما أن أحزاب فلسطينية وخصوصا حركة حماس والجهاد الإسلامي غير مشاركة فيها،حتى صح القول بأنها سلطة حركة فتح، وفي حالة إعادة بناء المنظمة لتستوعب الكل الفلسطيني ولتصبح مركز الثقل في الحياة السياسية فمن البديهي أن تكون كل الفصائل مشاركة في السلطة ولها رأي فيها. هذا الأمر يتطلب توافق على وجود السلطة ودورها،كما سيتم طرح موضوع الحكومة بعد إعادة بناء المنظمة. هذه التساؤلات أصبحت أكثر إلحاحا وتعقيدا بعد  التصويت على قرار قبول فلسطين عضو مراقب في الأمم المتحدة ،مثلا هل ستستمر الحكومة كحكومة سلطة حكم ذاتي؟ أم ستتحول إلى حكومة دولة فلسطين؟ وهل ستستمر الحكومة والسلطة في إطار مرجعية اتفاقية أوسلو أم ستصبح مرجعيتها القرار الدولي الجديد والأمم المتحدة؟ وهل ستكون علاقة الدولة بمنظمة التحرير نفس علاقة السلطة بمنظمة التحرير؟.

من الملح اليوم التفكير في وضع السلطة والحكومة، فلا يُعقل بعد إعادة بناء منظمة التحرير والمصالحة، وبعد الانجازات التي تحققت في الأمم المتحدة وفي جبهة المقاومة أن يستمر الفلسطينيون خاضعين لسلطة حكم ذاتي مرجعيتها اتفاقية أوسلو، المطلوب أن تصبح منظمة التحرير المتجددة والقرار ألأممي حول الدولة  مرجعية للسلطة الفلسطينية، الأمر الذي يتطلب قرارا واضحا من الرئيس بالتخلي عن اتفاقية أوسلو وممارسة السيادة على أراضي الدولة ولو بشكل متدرج. وما بعد إعادة بناء المنظمة وإلى حين قيام الدولة تتولى منظمة التحرير قيادة السلطة والحكومة.

خاتمة

في خضم الانشغال بملف المصالحة ومدخلها إعادة بناء منظمة التحرير يجب أن نأخذ بعين الاعتبار بان المنطقة العربية تعيش مخاضا قد تنتج عنه معادلة جديدة أو نظاما إقليميا جديدا تكون ضحيته القضية الفلسطينية، لذا على القوى الوطنية الديمقراطية في التعامل مع المرحلة.ومن جهة أخرى يجب العمل على مستويين:

الأول: الاشتغال على الإستراتيجية الوطنية بعيدة المدى من خلال إعادة بناء وبتفعيل منظمة التحرير كممثل للشعب وقائدة نضاله بكل أشكاله وككيان معنوي للفلسطينيين إلى حين إنجاز كامل الحقوق الوطنية.

والثاني: الاشتغال على القضايا الراهنة والعاجلة المرتبطة بالانقسام وما نتج عنه : ملف المعتقلين وجوازات السفر وإعمار غزة والانتخابات والحكومة الخ، فهذه إفراز للخلل الاستراتيجي المشار إليه وليس لب القضية.

إن الاشتغال على هاذين الملفين معا أمر مهم، حتى لا يكون الاقتصار على ملف المنظمة بمعزل عن واقع الانقسام مجرد ترف فكري نظري وشكلي يشكل غطاء للانقسام وتهربا من مواجهته، وحتى لا يكون الانشغال  بتداعيات الانقسام مبررا لنسيان وتجاوز جوهر القضية وهو الاحتلال وضرورة مواجهته متحدين.

Ibrahemibrach1@gmail.com

معد الدراسة: 
إبراهيم أبرابش