قرار مشعل ليس نهاية المطاف

طلال عوكل-خاص زمن برس
ما يزال يحظى بأهمية واهتمام السياسيين ووسائل الإعلام، موضوع الأسباب التي دفعت وتدفع رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل، لمغادرة هذا الموقع الذي شغله ثلاث دورات متتالية حسب النظام الداخلي لحركته. الكل يتحدث تشريقا وتغريبا. في هذا الموضوع، ما عدا أصحاب الشأن، وتقتصد قيادات حماس بما في ذلك مشعل نفسه، مما يترك الباب مفتوحا على التكهنات والتحليلات، التي لا ترى في هذه القضية، أن أنه فعل ينتمي إلى سلوك حميد، يذهب إلى التغيير الطوعي، في زمن التغيير القسري الذي تشهده المنطقة العربية منذ ما يقارب السنتين.
محدودة هي النماذج التي يمكن تقديمها ، كإشارات واضحة، على أعمال آلية التغيير في العمل السياسي الحزبي، وفي أنظمة الحكم، التي قلما تشهد مغادرة أمين عام أو رئيس حزب أو دولة، بصورة طبيعية، خصوصا في ضوء غياب الديمقراطية واعتماد أنظمة حكم غريبة وعجيبة في دول المنطقة.
الرؤساء والزعماء، والملوك، والأمناء العامون، لا يتركون مواقعهم إلا حين يغيبهم الموت، هذا هو حال معظم الدول، ومعظم الأحزاب، والحركات السياسية بما في ذلك، تلك التي تدعي أنها ديمقراطية، أو تتخذ الديمقراطية اسما، أو هوية لها، وبما في ذلك تلك التي تنتسب، منها لبرامج وأهداف التحرر الوطني، كما الحال في بلادنا فلسطين. نتذكر هنا الرئيس السوداني السابقـ الفريق سوار الذهب، الذي وفي بوعده، وغادر موقع الرئاسة طوعا، وبعد فترة من قصيرة جدا من وجوده على رأس الدولة، وتحول إلى إنسان، مواطن عربي عادي، يستحق المساعدة، وكان يستحق أن يتقلد أرفع الأوسمة، وأن يحظى بحياة ، رئيس دولة سابق.
ملف النظام السياسي والحزبي العربي طافح بالأمثلة التي تشير إلى عمليات تغيير وانقلابات جرب عبر مذابح للزعماء، أو عمليات قتل أو إزاحة قسرية، كان معمر القذافي آخرهم، لكنه لم يكن استثناء بل سبقه كثير من الزعماء والرؤساء.
الأحزاب الشيوعية ، ومعظم من تشبهوا بها، في المنطقة العربي، كانت نموذجا لاستقرار الأمناء العامين، و القيادات التي تتربع طويلا على سدة المسؤولية، وفي هذا الإطار فإن سجلها الأممي والعربي، حافل بالنماذج التي تشهد على أن التغيير مرتبط عموما بالوفاة الطبيعية. ولأن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، واحدة من تلك القوى ، فإن البعض لا يزال يشكك في صدقية ، التنحي الطوعي لمؤسسها وأمين عامها الراحل جورج حبش، إن يعتبر هذا البعض، أن المرض، وعدم القدرة على مزاولة المسؤولية ، هو السبب الذي يقف وراء مغادرة حبش لموقع الأمين العام للجبهة. على أنني بحكم معايشتي ومن مواقع متقدمة في الجبهة لفترة طويلة، قبل أن أغادرها تنظيميا أشهد بأن حبش، قد طرح موضوع تخليه عن الأمانة العامة للجبهة قبل عشر سنوات من مغادرة هذا الموقع مغليا، بدواعي التجديد والتغيير، رغم أن الجبهة كانت بحاجة لدوره ، خصوصا بعد أن نجح بإرادته القوية في تجاوز المرض الذي ألم به. وحتى لا نظلم الإخوان المسلمين، بما في ذلك حماس، وهي حديثة التجربة والظهور قياسا بعمر حركة الإخوان التي تأسست عام 1928 ، فإن هذه الحركة شهدت ولا تزال التغييرات القريبة التي وقعت في صفوف الإخوان في مصر، وهي تغييرات معلنة ومعروفة، ما يؤكد ذلك.
غير أن الأمر بالنسبة لقضية خالد مشعل، مختلفة عن النهج الذي أسلفنا ذكره بالنسبة لحركة الإخوان المسلمين، ولا نظن أن هناك ما يعيب حماس، إذا قدمت تفسيرا للعوامل التي تؤدي إلى التغيير، فعمليات التغيير دائما تكون لها أسباب ودوافع، بما في ذلك حين تأتي كترجمة لاستحقاقات الأنظمة واللوائح الداخلية. ما يثير التساؤلات ، هو أن مشعل ينتمي إلى جيل القيادات الشابةـ ولأن لا مشعل ولا الحركة تحاول أن تقدم شرحا مقنعا، ومنطقيا لهذا التغيير الذي يبدو على أنه فعل طوعي من قبل مشعل، لكن الوقائع تفيد بغير ذلك فإن الأمر برمته لا يبدو طبيعيا.
لا يضير حماس في شيء أن تتحدث عن تناقضات داخلية، ورؤى مختلفة ، وآفاق تحتاج إلى تغيير فرسانها ، وإلى ظروف موضوعية متبدلة ، تفرض فرضا ضرورة إجراء تغييرات في صفوف قياداتها. حماس أصبحت ندا لحركة فتح، التي قادت الحركة الفلسطينية لفترة طويلة من الزمن بدون معارضة قوية، تنازعها دولها القيادي، وهي بعد فوزها في الانتخابات التشريعية، تحولت إلى سلطة، عليها أن تواجه تحديات من أشكال ومضامين مختلفة، بما يؤدي ذلك ، إلى جملة من التداعيات التي تمس دور الحركة وبرنامجها ومسؤولياتها ، وطموحاتها. غزة، أصبحت موقع الفعل الرئيسي لحركة حماس، وفيها تبني تجربتها، وتدفع ثمن هذه التجربة، بكل ما لها وما عليها، وبالتالي فإن غزة هي التي تقرر مصير مستقبل الحركة.
في هذه التجربة، أصبح القائد المطارد، مسؤولا رسميا، يتحرك بموكب رسمي، ويجتهد لإتباع بروتوكولات الوزارة، وتقاليدها واستحقاقاتها، بدون أن يخسر هويته التنظيمية الكفاحية، وما تفرضه تراكيب الحركة من استحقاقات على الكادر القائد والعضو، وهنا تبرز وتتبلور في إطار تجربة الجمع غير مؤكدة النجاح، بين السلطة والمقاومة قيادات وكادرات مهنية، وينشأ جهاز بيروقراطي، وآليات للعمل الوظيفي لا يستقيهم وصفها وإدارتها، استنادا إلى آليات عمل الحركة، وإلا تعرضت التجربة للخطر. بموازاة ذلك تجري تبدلات عميقة وجذرية في الواقع العربي والإقليمي المحيط.
الأمر الذي يضعف دور قيادات الخارج لحساب تقوية دور قيادات الداخل، وحيث مركز الفعل والتجربة، وتتبدل التحالفات، ومواقع الارتكاز ومع كل ذلك تتبدل الرؤى على المستويات القيادية، بين رؤى منفتحة أكثر، إزاء كيفية التعامل مع المتغيرات ورؤى محلية، منغلقة أكثر، تنشد أكثر لاستحقاقات التجربة في إطار الجغرافي المحدود، لا تأتي بجديد، حين نتذكر، أن مشعل واجه اعتراضات علنية من قبل بعض قيادات الحركة في الداخل، وفي غزة تحديدا، إزاء بعض المواقف التي تتصل بالمصالحة الفلسطينية، خصوصا إزاء بعض ما ورد في كلمته أمام احتفال المصالحة في مصر في آيار العام الماضي وأيضا بعد توقيعه مع الرئيس محمود عباس في الدوحة على الإعلان الذي حمل اسمها.
ليس هذا وحسب، بل أن ثمة من يذهب إلى حد الحديث عن خلاف بين مشعل وبعض قيادات الحركة في غزة، بشأن العلاقة مع إيران، على اعتبار أن قيادات في الداخل ما تزال تتمسك بعلاقة قوية مع إيران بعكس مشعل، الذي يوصف على أنه يميل إلى المحافظة على علاقة عادية، تفرضها طبيعة التحولات في المنطقة والعالم. لا بد إذا من وجود أسباب لتفسير قرار مشعل بعدم الترشح لولاية جديدة على رأس المكتب السياسي لحماس، والأفضل أن تبادر حماس لتقديم مثل هذا التفسير، ولكن في غياب المنطق والشفافية فإم ثمة ما يحدو المرء للحديث عن حماس بعد مشعل، بما يشير إلى تبدلات مرتقبة في رؤية حماس لدورها، ومستقبل هذا الدور فلسطينيا، وعربيا ودوليا، يعتقد البعض أنها تتجه نحو مزيد من التطرف فلسطينيا، ومزيد من الليونة على المستوى السياسي الخارجي.
والسؤال هل ثمة مجال للمراجعة والتراجع؟، في الواقع المحاولات لا تتوقف، فالوقت ما يزال متاحا، خاصة وأن الأمر لم يعد قضية حصرية داخلية، فالحركة جزء من التنظيم العالمي بحركة الإخوان المسلمين، ومن الوارد أن يكون للمرشد العام للحركة رأي وموقف.




