غزة..وللصوفية مكانٌ أيضاً

سناء كمال-زمن برس
غزة: في شارع ضيق منتصف مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة، تتمركز الزاوية، مكان يجتمع فيه الصوفيون لتأدية طقوسهم الدينية، من أناشيد وابتهالات ومديح للرسول ، صلى الله عليه وسلم، على أنغام الطبول، والصاجات، إلا أن تلك الزاوية غير معروفة لعامة الناس، سوى القريبين منها، وهم أيضا يفضلون الابتعاد عنهم لاختلافهم معهم في المعتقدات.
ويعيش صوفيو غزة في كنف زعيمهم أو كبيرهم، الذي يجتمع بهم يوميا للتجهيز للحضرة، يومي الاثنين والخميس، التي يرددون فيها الأدعية والابتهالات، يسميها البعض (الدروشة). جريدة الأخبار حاولت الدخول إلى عقر مقرهم، والتعرف على حياتهم، وأفكارهم وكيفية عيشهم وسط مجتمع معروف بالسني، وذهب فريق الجريدة إلى زاويتهم التي تبدو لزائرها للوهلة الأولى بأنها متحف جميل، جدرانه مرشومة بالحكم والعبارات المخطوطة بالخط الكوفي والخط العربي الفارسي، والدفوف المعلقة على الجدران، بالقرب من سيوف ترجع تاريخها إلى مئات السنين، تقابلها صور فوتوغرافية لكبار الصوفيين في العالم، وتتوسط غرفة الحضرة، صورة كبيرة تكاد تغطي الجدار الأوسط بالغرفة تعود لزعيمهم الأسبق.
نبهان البابلي أو "الزين"، رجل في الخمسينات من عمره لكنه تظهر عليه ملامح شاب في الثلاثينات فقط، وهو كبير الصوفيين أو زعيمهم أو خادم الصوفية كما يحب أن يطلق على نفسه، تزعم الصوفيين بالوراثة عن والده، رغم أنه ليس الابن الأكبر له، ولكنه هو الأجرء من أخيه الأكبر الذي كان يخاف من اللعب مع الجان والسحر، كما أكد لنا أحد جيرانه المقربين منهم. يجلس نبهان "الزين" أسفل صورة والده ينتظر زواره الذين ما إن يصلوا حتى ينحنوا إلى يده لتقبيلها علهم يتقربوا عبره لوالده، الصالح، ويترأس الزين الحضرة التي يقيمونها يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع، ويحمل أفكارا ومعتقدات غريبة، فحين سألناه عن سبب تسميته بالزين قال:" إن الزين لقب، أطلق على جدي الأكبر كان يدعى حسين، وكان يعيش في بلدتنا الأصلية عاقر، كان رجلا صالح ووقور، له احترامه بالبلاد، وكان في ذلك الوقت رجل آخر بلطجي معروف عنه الظلم، تشاجر مع جدي، وعقبها قام بحفر حفرة كبيرة رماه فيها، وألقى عليه حطبا، وأشعل النار فيه، ليكون عبرة لمن يفكر بالوقوف في وجهه والاعتراض على تصرفاته، واجتمع أهل البلدة جميعا حول هذه النار، لكنهم تفاجأوا بعد أن خمدت النيران أن حسين لم يصب بأي أذى، وبعدها أطلق عليه اسم الزين، وأصبح حكيم البلدة ويعالج الجميع من المس والسحر والجن".
هذه الرواية يكذبها المحيطين بالزين، ويعتبرونها إحدى خرافاتهم لخلق عالم خاص بهم، يتميز بالخوارق، ويثير مخاوف ضعاف النفوس، ويحثهم على الابتعاد عنهم. وتنحدر فرقة الزين من الصوفية القادرية الرفاعية، نسبة إلى المتصوف أحمد الرفاعي، وعبد القادر الجيلاني، ويعد الزين أن صوفيي غزة امتداد للصوفية العالمية، حيث يحضر مؤتمراتهم، غير أن الحصار المفروض على غزة يحول دون ذلك، إلا أنه على اتصال مباشر معهم، مشيرا إلى أنهم لا يحصلون على أي تمويل أو دعم، بل يقتصر على يجنيه من مهنته بالعلاج البديل. و يرجع أصل التصوف كسلوك وتعبد وزهد في الدنيا وإقبال على العبادات واجتناب المنهيات ومجاهدة للنفس وكثرة لذكر الله إلى عهد رسول الإسلام محمد وعهد الصحابة، وأنه يستمد أصوله وفروعه من تعاليم الدين الإسلامي المستمدة من القرآن والسنة النبوية، وأنه لا يتعارض معه، لذلك يفرغ نفسه ووقته لخدمتها، ويقول:" الإنسان بطبعه يفرغ نفسه لملذات الدنيا، ما الضير في أن نفرغ أنفسنا ساعة أو ساعتين خلال الأسبوع لتذكر رسولنا، والترحم عليه، وأخذ دروس وعبر من سيرته العطرة"، ولكن دخول الجهلة وغير المتعلمين هو ما أفسد الصوفية ومبادئها حسب توضيحه.
ولا يتعدى عدد الصوفيين في القطاع عن بضع مئات، لما تتمتع به الصوفية بأنها توريثية، ولا يحاول الصوفيون نشر فكرهم بين الناس، حتى لا يتعارضوا مع الحكومة سواء كانت أيام السلطة أو حتى على عهد حكم حماس، في حين يعتبر جارهم أبو إبراهيم، أنهم أناس أذكياء ما إن تأتي حكومة وتتسلم الحكم حتى يدخلون عدد من أبنائهم في صفوف تلك الحكومة، لتتجنب أي تدخلات فيهم.
أبو إسماعيل (63 عاما) يجاور الزين منذ أكثر من 60 عاما، لكنه لم يحاول يوما أن يجاملهم أو أن يحضر حضراتهم، فهو يخشاهم، وفق ما رباه والده على ذلك، " لأنهم يتعاملون مع الجن والسحر والشعوذة، ويؤذون من لا يرغبون بوجوده"، على حد قوله، محاولا تحذير الوافدين إلى الزين من أضراره.
ويجدر الإشارة إلى أن الصوفيين في غزة يتبعون إلى أحد الطرق التالية ، القادرية نسبة إلى عبد القادر الجيلاني، الرفاعية نسبة إلى أحمد الرفاعي، والأحمدية نسبة إلى أحمد البدوي، والشاذلية نسبة إلى حسن الشاذلي.
ـــــــــــ
م م




