الانتخابات المحلية.. وقراءة الفاتحة على روح المصالحة

مع بزوغ شمس هذا اليوم تكون طلائع نتائج الانتخابات المحلية قد بدأت تتوارد وبدأت تداعياتها سلباً أم ايجاباً تتردد بين الناس. كان بود كل واحد منا ان يكون العرس الديمقراطي الفلسطيني عرساً وطنياً من طوباس الى رفح ولكن الانقسام البغيض عكر صفو هذا الأمر وقصر هذه الانتخابات على جزء من الوطن.
لا احد ينكر انها كانت انتخابات باهتة في كثير من المواقع وأنها لم تحظ بالاهتمام اللازم الا في المناطق التي خرج فيها مرشحون فتحاويون على ارادة الحركة وتصدوا للمنافسة والمبارزة ضد مرشحيها الامر الذي يعكس الازمة الحقيقية التي تواجهها حركة فتح والتي مردها الى فشل الحركة في وضع الآلية الصحيحة لاختيار مرشحيها على اساس الكفاءة والجدارة وتحولها الى رهينة لنفوذ بعض المتنفذين من داخلها والمتصارعين في اطارها لاغراض واهداف شخصية من جهة، ووقوعها رهينة في يد العشائر والحمائل والعائلات الكبيرة من جهة ثانية نتيجة لقانون الانتخابات المحلية لعام ٢٠٠٥ والذي تبنى مبدأ النسبية الكاملة في البلدات والقرى الصغيرة التي يستحيل فيها تشكيل قوائم على أسس انتماء سياسي مما أعطى القرار للعشائر والعائلات لأن تملي على «فتح» من هم مرشحيها في هذه القوائم واستطاع المتنفذون في معظم هذه العشائر والعائلات فرض انفسهم على قوائم فتح مع انهم ليسوا الأفضل من بين ابناء هذه العشائر.
وكانت الانتخابات باهتة بامتياز نتيجة غياب حركة حماس بالتحديد عن ساحة المنافسة الانتخابية ورفض هذه الحركة لمبدأ الانتخابات سواء التشريعية او المحلية وتبنيها مبدأ البحث عن الذرائع والحجج لتبرير رفضها الاحتكام الى صناديق الاقتراع واستئثارها بنتائج انتخابات ٢٠٠٦ واعتبارها مصدر شرعية ممارستها للحكم مع ان كل من له عينين في وجه او عقل في رأسه يدرك ويعرف ان المزاج العام في الشارع الفلسطيني قد تغير خلال السنوات السبع الماضية وأن نتائج اية انتخابات تُجرى الآن ستختلف تماماً عن نتائج انتخابات كانون ثاني ٢٠٠٦.
المحزن في كل ما يجري حولنا هو حقيقة ان كلا الجانبين فتح وحماس قد نفض يديه من المصالحة وبدأ يتصرف على ان الامر الواقع هو الامر الدائم وان المصالحة لم تعد حلماً ولا امراً في متناول اليد. هل يمكن القول بأن انتخابات المجالس المحلية هي بمثابة قراءة الفاتحة على روح المصالحة؟ للاسف الشديد الجواب هو «نعم» والمدهش في هذه الـ «نعم» هو ان فصائل مهمة على الساحة الفلسطينية كالجبهة الشعبية والديمقراطية شاركت في هذه الانتخابات بكل زخمها وسجلت بذلك قبولها بالامر الواقع وهو واقع الانقسام كواقع دائم..!
هل كان لدى السلطة برام الله خيار آخر؟ الجواب هو اننا منذ الانقسام ونحن ننتقل من خطأ الى آخر ومن منزلق الى آخر لدرجة ان العودة من مساحة الخطأ الى مساحة الصواب اصبحت شبه مستحيلة. لقد اعلنت السلطة عدة مرات عن اجراء الانتخابات المحلية ثم تراجعت عن ذلك على امل ان يطرأ تقدم على جهود المصالحة ولكن ذلك لم يحدث. ووجدت نفسها كما يبدو كالراعي الذي كان يستنجد بأهل القرية لان اربعة ثعابين عنقاء هاجمته وكان في كل مرة يفاجئهم بالقول بأنه كان يمزح الى ان توقفوا عن تصديقه، وحين تعرض بالفعل الى هجوم الثعابين وصرخ طالباً النجدة ظنوه يمزح وتركوه يواجه قدره بنفسه.
وهنا يبدو ان هناك في جانب حماس من ظن ان الانتخابات ستتأجل وفوجىء امس بأنها اجريت في موعدها وانتجت ما انتجته. هذا الانتخابات التي اقتصرت على جزء صغير من الوطن وجاء بقوائم عن طريق التزكية في مواقع كثيرة لم تكن عرساً ولا فرحة ديمقراطية بمقدار ما كانت ازمة واحباطاً وكشفاً للستار عن مسرح يعج باللامعقول وسط هرج ومرج وصراخ وزعيق اشبه بعروض سيد زيان «الفكاهية»...
بعد ايام او اسابيع ستكون هناك مجالس بلدية وهيئات محلية وقد يبدأ بعضها بالتصارع وبالتفتت من الداخل كالقنابل الانشطارية لا لشيء الا انها لم تكن الخيار الحقيقي لمن ارادوا انه ينتخبوا، ولانها في مجملها اما كانت نتاج مناكفات سياسية او صراعات عائلات وعشائر لا يهمها سوى النفوذ، ولان بعض هذه الصراعات يمتد ليرتبط بأشخاص ارادوا ان يأتي الى هذه المجالس من لا يجرؤ على محاسبتهم عن ممارسات ومخالفات ارتكبوها في مجالات سيطرة هذه المجالس ودوائرها، وارادوا الاستمرار في منهج كل من «إيدو إلو» دون حسيب او رقيب..!
لقد اضفنا مدماكاً جديداً الى السور الذي يفصل بين الضفة وغزة، واضفنا مدماكاً جديداً الى الاسوار التي تفصل بين ابناء الحركة الواحدة، واضفنا مدماكاً جديداً في صرح الفساد والانفلاش. وفي متاهة ما يجري على الساحة الفلسطينية فإن المرء لا يستطيع ان يسمح لنفسه بأن يستسلم ويتخلى عن الحلم، وسأظل احلم بأن الانقسام سينتهي وان كل الجدران والمداميك ستنتهي بانتهائه...! وان العرس الديمقراطي الفلسطيني الحقيقي قادم لا محالة. صحيفة القدس




