انتخابات كاشفة للمأزق الوطني

القراءة المعمقة لنتائج الانتخابات المحلية التي جرت في الضفة الغربية، تجعلنا نرى فيها فعلاً كاشفاً لعمق الأزمة الفلسطينية التي يعيشها الجميع، من شارك في الانتخابات، ومن لم يشارك، قوى سياسية، ومنظمات مجتمع مدني، وشخصيات وطنية.

كانت الانتخابات المحلية جزئية بمعنيين: جزئية أولاً، بمقاطعة حركتي حماس والجهاد لها، ما عني أن هذه الانتخابات لا تمثل الحياة السياسية الفلسطينية بقواها الرئيسية، ولا تمثل الخريطة السياسية الفلسطينية الحقيقية.

وجزئية ثانياً، بإجرائها على جزء من أرض الوطن، فقد جرت في الضفة الغربية وغاب عنها الجناح الثاني للوطن، قطاع غزة.

انتهت الانتخابات المحلية في الضفة الغربية، دون أن تحدث فارقاً في الحالة الفلسطينية بين ما قبلها وما بعدها، والفارق هو المسألة الهامة في أي انتخابات، فهي لم تستطع أن تبث روحاً جديدة في الأراضي الفلسطينية وتشكل نقلة ما في اتجاه تجديد المشروعية أو خلق افق جديد حتى ولو خدماتياً.

لا يتعلق الأمر بتراجع نسبة التصويت من حوالي 80 % الى 54 % فحسب، بل والأهم في نظرة اللامبالاة التي نظر فيها المواطن الفلسطيني في الضفة الغربية لهذه الانتخابات، وفي الأوضاع التي كشفت عنها هذه الانتخابات.

الأرقام الانتخابية عن النسب والنجاح ارقام خادعة، فهذه الانتخابات جرت في 109 مواقع فقط من أصل 353 موقع، وهي بذلك لا تشكل سوى حوالي 30 % من المجموع العام، وهناك 18 موقعاً لم تجرِ فيها أي انتخابات، حيث لم يتقدم للترشيح أي مرشح، وهناك أكثر من 180 موقعاً كانت النتائج معروفة سلفا لفوز الكتل المتحالفة بالتزكية، وكانت نسب التصويت في القرى أكبر بكثير منها في المدن لأسباب عشائرية وعائلية وليس سياسية.

كانت المنافسة الفعلية في الانتخابات بين فتح والمنشقين عنها، والفصائل اليسارية الأخرى لم تكن سوى ديكوراً شكلياً لا وزن فعلي له رغم جزئية الانتخابات ومقاطعة حماس والجهاد لها.

وظهرت حركة فتح التي لا يوجد منافس لها في الانتخابات، تنافس نفسها، وتبين أنها حركة مأزومة ولم تجد بعد الآلية المناسبة والمقنعة لاختيار مرشحيها للانتخابات.. وهزيمة المفصولين للحركة الأم في مدن رئيسية مثل، نابلس وجنين ورام الله، له دلالاته في تصدع الحركة وانقساماتها، واستمرار أزمتها بفقدانها لقيادة تملك القدرة والهيبة على توحيدها.

وإذا اعتبرنا هذه الانتخابات هي «بروفا» للإنتخابات التشريعية، إذا جرت خلال الفترة القادمة بمشاركة حركة حماس في سياق نجاح المصالحة، فإن حركة فتح مقدمة على كارثة انتخابية لا تقارن بكارثة انتخابات العام 2006.

من جهة أخرى، كشفت الانتخابات التراجع الكبير للسياسي مقابل العشائري والعائلي، حيث فرضت العشائر والعائلات نفسها كطرف قوي في ظل الانقسام السياسي الحاصل في الساحة الفلسطينية، وفرضت القوى التقليدية نفسها على حركة فتح باختيار مرشحيها على قوائم الحركة في العديد من المواقع، وهو ما كشف عن حالة من الارتداد الوطني الفلسطيني نحو العشائرية والعائلية وهي هويات جزئية تلعب درواً سلبياً في مواجهة التكوين الوطني العام، والساحة الفلسطينية أحوج ما تكون له في هذه الظروف الصعبة.

بصرف النظر عن الرابح والخاسر والمقاطع في هذه الانتخابات، فقد كان الجميع خاسراً بما كشفت هذه الانتخابات عن تردي اضافي في الواقع الفلسطيني، والذي تعمل القوى السياسية على تكريسه بممارساتها السياسية، بدل ان تعمل على تغييره، حيث بات تغيره ضرورة وطنية، وهذا هو درس الانتخابات المحلية الرئيسي.

رئيس التحرير/سمير الزبن