الانتخابات بين الضرورة والرغبة

على غير ما يشتهي الذين اتخذوا القرار بإجراء الانتخابات المحلية في الضفة جاءت النتائج، لتكشف عن مدى تردي المشهد الفلسطيني الوطني، بدلاً من أن تكون الانتخابات عرساً فلسطينياً، يتمنى الكثير من العرب أن يحظوا بمثلها كما حصل إثر الانتخابات التشريعية العام 2006. الانتخابات، التي جرت بعد سبع سنوات على سابقتها، وبعد تأجيل متكرر جاءت لتؤكد الاستنتاجات التي درج عليها الوضع الفلسطيني منذ كثير من الوقت، إذ لم يكن متوقعاً أن تشارك حركتا "حماس" و"الجهاد الإسلامي" فيها، الأمر الذي يجعلها تفتقد إلى الحيوية، وإلى التنافس الحقيقي، حيث إن اليسار والقوى الأخرى، لا تملك تأثيراً وحجوماً، تمكنها من أن تكون منافسا حقيقيا وقويا لحركة "فتح" إذ تنافس ذاتها، وتنتصر في النهاية على نفسها، وإن كان الأمر، لا يخلو من مشاركات هنا وهناك لعناصر مستقلة، أو لفصائل أخرى، في الأغلب حصلت على ما حصلت عليه من خلال القوائم التوافقية، ولعلّ المسألة الأكثر بروزاً في المشهد، هي في تقدم وإصرار عدد من كوادر وقيادات "فتح" على الترشح من خارج القوائم الرسمية، وذلك بالرغم من التحذيرات التي أطلقتها اللجنة المركزية، لفصل أو طرد أي مرشح فتحاوي من خارج قوائمها الرسمية.
في هذا الإطار فإن القضية تبدو سياسية أكثر مما هي تنظيمية حركية في أبعادها البعض أشار إليها على أنها انشقاقات جديدة في الحركة لكنها على الأرجح امتداد للصراعات والتعارضات الفتحاوية. على أن البعد الأكثر مأساوية، يكمن في الاستنتاج الذي يفيد بأن حركة فتح لم تتمكن من ترميم أوضاعها، وإعادة بناء ذاتها، والنهوض بدورها رغم انعقاد المؤتمر الوطني السادس قبل أربع سنوات والذي طال انتظاره أملاً في أن يشكل بداية مرحلة أخرى من النهوض والصعود، والاستفادة من التجربة السابقة التي فقدت خلالها الحركة قوتها ودورها الريادي الذي لم يكن ينازعها أحد فيه.
الانتخابات البلدية التي جرت جزئياً، وضمن المرحلة الأولى تشكل تقريباً 25% من عدد المحليات والبلديات التي ينبغي أن تجري فيها الانتخابات، على أن الإحصاءات تقول إن 50% ممن يحق لهم الانتخاب سجلوا أسماءهم تفي اللوائح الانتخابية، وأن نصف هؤلاء تقريباً (54% ادلوا بأصواتهم. هذه أرقام وإحصائيات تدل على عزوف الناس وعدم ثقتهم بأداء وأدوار الفصائل، خصوصاً وأن نحو 55% من المسجلين للإدلاء بأصواتهم، أشاروا إلى عدم رضى عن أداء البلديات السابقة، وذلك حسب استطلاع أجرته في شهر أيلول مؤسسة ارواد.
لعلنا لا نسمع استنتاجاً يقول إن امتناع نحو 50% عن تسجيل أسمائهم في السجل الانتخابي، يدل على أن هذه النسبة تذهب إلى حركتي حماس والجهاد الإسلامي، أو انها بسبب قرارهما بالمقاطعة، على أي حال، لا يستطيع أحد الجزم بشأن هذا الادعاء، ولكن الأهم هو ما يقال أحياناً لتبرير، الموقف السلبي إزاء المشاركة في الانتخابات بل إزاء عملية الانتخاب برمتها. في الواقع فإن الانتخابات المحلية، هي استحقاق دستوري يجري تنفيذه بتأخير كبير، ما يعني أن إجراء الانتخابات محلية كانت أم تشريعية، لا يمكن أن تكون رهناً بالتوافق الوطني، وإلاّ لماذا اعتمد الفلسطينيون النظام الأساسي (الدستور المؤقت)، ولماذا يتمسكون به، ويبررون سلوكياتهم على أساسه؟ إن مثل هذه الذريعة لتبرير المقاطعة، تنتمي إلى عقلية تقديم القانون الخاص على العام، والمصالح الفئوية على الوطنية، وتجعل من غير الممكن التوصل إلى أي قرار طالما أن البعض يمتلك حق "الفيتو".
وليس صحيحاً، أيضاً ما يقال عن أن هذه الانتخابات غير شرعية فهي من الناحية الفنية والقانونية، شرعية بامتياز طالما أتيحت الفرصة لكل مواطن أن يمارس حقوقه الانتخابية كاملة، تسجيلاً وترشيحاً واقتراعاً. غير أن شرعية الانتخابات لا تفترض موضوعياً ووطنياً تجاهل الآثار السلبية الناجمة عن غياب التوافق الوطني عليها، أو تجاهل الآثار المترتبة لاحقاً على النتائج التي حققتها العملية الانتخابية بحد ذاتها. على أن الأسوأ بين التبريرات التي تساق، هو أن يقال إن هذه الانتخابات تعمق الانقسام، وتلحق أضراراً بليغة بعملية المصالحة.
يمكن أن يكون ذلك صحيحاً لو أن هناك عملية مصالحة، أو أن هناك أملا، وآليات محددة لتحقيقها، ولكن هل سيظل المواطن الفلسطيني يحرم من أبسط حقوقه، في انتظار مصالحه قد لا تأتي، أو ان تحققت فبعد سنوات طوال؟ والصحيح أن إجراء الانتخابات، يعد مؤشراً على تعطل المصالحة، أما أن تكون سبباً فذلك صحيح، أيضاً، حين يجرى اعتمادها، لتبرير الموقف السلبي من المصالحة، والموقف السلبي من العملية الديمقراطية، ومن تمكين الإنسان الفلسطيني من ممارسة حقوقه الانتخابية.
وعلى أية حال فإننا لا نعرف كيف يمكن لانتخابات بلدية في مدينة أو قرية فلسطينية في الضفة أو غزة، أو في أكثر من بلدية أن تتسبب في تعطيل المصالحة. إن ما يعطل المصالحة هو الإرادات المتناقضة، والارتهان للمشاريع الخاصة وللقوى الخارجية، وللحسابات الصحيحة، ولكن فيما يتعلق بالأوضاع الداخلية فإن غياب الديمقراطية واحترام حقوق وأدوار المواطنين يشكل سبباً رئيسياً في بقاء الحال الفلسطيني على حاله، ونحن إذ نرى بأن الانتخابات البلدية استحقاق دستوري، يجرى تنفيذه في الضفة فإننا نطالب بأن يجري تنفيذه في قطاع غزة، أيضاً، بمعزل عن عملية المصالحة، ذلك أنه لا يجوز لأي طرف أن يفرض نفسه وإرادته على الناس بقوة الأمر الواقع، أو بقوة القمع.
جريدة الأيام




