أهل فلسطين والسياسة عن وهم أننا بخير

في تعليقه على انقلاب غزة الحمساوي، كرَس الشاعر الراحل محمود درويش جانبا مهما من مقالته لتفنيد فكرة الإختلاف عند قطاعات واسعة من الفلسطينيين، وكيف بدت تلك الفكرة على ضوء الإقتتال الدامي مجرَد وهم تبدَد بسرعة لم يكن أكثر المتشائمين يصدقها أو يعتقد فيها. تدفعني لاستعادة وهم "الإختلاف" (وربما التميُز عند البعض)، فكرة وهمية أخرى لا تزال شائعة وتتسبب في وقوع معظم التحليلات السياسية في أخطاء بالغة الفداحة: يؤمن كثر من الفلسطينيين أننا شعب "مسيَس"، ويبنون على هذا الوهم عدَتهم السياسية وربما الفكرية في أحيان كثيرة، وهم ينطلقون في قناعتهم تلك من "انتشار" السياسة على نحو كثيف في الحياة اليومية للفلسطينيين بمختلف فئاتهم الإجتماعية، ودرجة اهتمامهم الكبرى بالشأن العام إنطلاقا من كون مأساتهم الوطنية تدفع إلى ذلك بالضرورة.

مع ذلك، وبالرغم من ذلك "الرواج" الذي لا ننكره للسياسة في الأوساط الفلسطينية، يمكن للمراقب المتأمّل أن يلحظ جملة من الحقائق الرئيسة التي لا تزال تسم التعاطي الفلسطيني مع الشأن السياسي عموما وما يتصل بقضية فلسطين خصوصا: أول تلك الحقائق أن السياسة بما هي رؤية العالم والواقع على ما هو فعلا، ومن ثمَ القدرة على فكّ ألغازه والعثور على مفاتيحه لا تزال غائبة تماما.

السياسة التي تعيشها الأوساط الفلسطينية لا تزال عناوين عامَة لا علاقة لها بالجزئيات والتفاصيل، وهي بهذا لا تتمكن غالبا من تقديم برامج واقعية، أو من الإجابة الشاملة عن أية أسئلة تطرحها السياسة الدولية التي تحيط بقضية فلسطين اليوم. في سياق كهذا تغرق المفاهيم السياسية في حالات من "الرَغبوية"، وسمتها الأوضح والأوسع انتشارا الخلط الضار بين ما هو في الواقع وبين صورة الواقع التي نريده أن يكون عليها. تختلط هذه بمفاهيم تحصر السياسة بين نقيضين اثنين يقع أحدهما في كفَة الحق، فيما الآخر في كفَة الباطل، وبالطبع لا مكان للسياسة في حالة كهذه لا هنا ولا هناك، لأن مكانها الذي لا يتزحزح بالرغبات والأماني هو في موازين القوى، وحقائق الحياة ذاتها.

يعاني الفلسطينيون من فساد مؤسسات السلطة، ومن فشلها المتكرّر في تحقيق إنجازات سياسية ملموسة، فيجدون الحل في الدعوة بأعلى أصواتهم لحلّ السلطة والعودة بالضفة الغربية إلى الإحتلال المباشر باعتباره حسب تعبير البعض يضع إسرائيل أمام العالم على حقيقتها كدولة إحتلال، من دون إدراك بالطبع لحقيقة أن الإحتلال المباشر للضفة الغربية لم يعد أمرا واردا فلا أحد في اسرائيل يرغبه أو يسعى إليه فالجميع يفضلون الإحتلال غير المباشر السائد اليوم. جانب مهم من رؤى الفلسطينيين السياسية يقوم على فكرة "الرفض" و"القبول"، وأعني هنا رفض وقبول القوى السياسية والشعبية وكأنه نهاية المطاف.

في كل معارك الخلاف والإختلاف الفلسطينية يبدو الأمر وكأن المطلوب أن نقنع أنفسنا فتنتهي الخلافات بل تجد أهدافنا طريقها للتحقق في الواقع. هكذا كانت الحال منذ حكاية "الرفض والقبول" منتصف السبعينات، وهكذا هي اليوم بين فتح وحماس، حيث تكاد المسائل كلُها تختصر في فكرة واحدة هي أن يتمكن طرف فلسطيني من إقناع الطرف الآخر.

- 2 - هو وعي تأسَس واستمر في مناخات الهزائم المتلاحقة والخيبات المتواصلة لعقود ستة وتزيد، وزاده تجذُراً أن القوى السياسية التي يفترض المنطق أن تقوم هي بالتصحيح كانت في الواقع والممارسة عاملا سلبياً، إذ هي لم تتمكن وربما لم ترغب جدّيا في تغييره صعودا نحو وعي آخر مختلف. ليست القوى السياسية بهذا المعنى "طليعية"، فهي عجزت حتى اللحظة عن امتلاك وعي أعلى من وعي المجموع الشعبي، فلم تضف لذلك الوعي الشعبي مفاهيم مختلفة تعيد تشكيله وتربيته على أسس ومقايس المحاكمة السياسية الواقعية بعيدا عن العواطف والرغبات. حدث ذلك ويستمرُ بسبب من شكليات المؤسسات السياسية وفراغها من المضامين الديموقراطية، ما جعل الجدل السياسي غير منتج أو فعَال غالبا، وكأنه مجرَد نقاشات ليس إلا.

ليس من تقاليد الساحة السياسية الفلسطينية "وحدة المختلفين"، فالخلاف أقوى من الوحدة وأسطع حضورا في الوعي والممارسة، بل لا نبالغ إذ نقول أن الإختلاف يحضر بقوة أكبر ويبدو في موقع القرار أكثر من التوافق والإنسجام إلى حد جعل معارك الفلسطينيين الرئيسة تبدو عبر محطات اختلافهم وكأنها مصيرية، لا تتحقق الانتصارات من دون حسمها بشكل نهائي. نتحدث هنا عن غياب الديموقراطية باعتباره غيابا للمناخ الصحيح والطبيعي الذي يمكن أن تنشأ فيه حياة سياسية طبيعية وقابلة للنمو ومراكمة تجارب حيَة والإستفادة منها، من دون أن ننسى بالطبع أن غياب الديموقراطية كان سبباً رئيساً في خواء المؤسسات السياسية التي كرَست أداء يقوم أساساً على القيادة الفردية، بكل نزواتها ووعيها الشخصي البائس، ناهيك بالطبع عن تكريس تلك الفردية في الحياة الحزبية الداخلية، فلا تنتج إلا ذاتها كلَ مرة.

من الواضح بعد كل تلك العقود من التجارب الدامية أن عقد "مؤتمرات" للفصائل والأحزاب الفلسطينية ليس سوى تقليد شكلي لا يسمن ولا يغني عن جوع، ما دامت كل تلك المؤتمرات تنتظم وفق آليات عمل ومقاييس ترسمها القيادات العليا، الفردية، والبعيدة كلَ البعد عن وعي القواعد الحزبية وآرائها ووجهات نظرها. يمكن في هذا السياق استرجاع محطَات الإنشقاق التي مرَت بها الفصائل والأحزاب، والتي وجدت "حلولا" لاختلافات أطرافها في التشظّي والإنقسام لجسمين متباعدين بسبب من عدم قدرتهما على التفاهم والتوافق، في غياب الحوار الديموقراطي المفتوح والحر، كما يليق بأي قوَة سياسية حقيقية في عالم اليوم. جانب كبير مما تعيشه الحياة السياسية الفلسطينية من وهن، وعدم فاعلية، يعود بالدرجة الأولى لخواء المؤسسة السياسية، وغياب الديموقراطية، ما يعني في صورة مباشرة عجزها عن استقطاب وتوظيف إمكاناتها كاملة أو حتى شبه كاملة.

هنا أيضا لا وجود للنقد الذاتي إلا في سياقات شكلية لا يترتب عليها محاسبة المخطىء أو إزاحته عن مواقعه القيادية وكأن شيئا لم يكن، وقد تكرَر ذلك في كل المراحل حتى بات تكريس وجود القيادات ذاتها سمة مميَزة للأحزاب والفصائل تعيش معها وتستمرُ بها مهما جرت من حولها أحداث ووقائع كبرى.

- 3 - مفارقة ما قلناه المحزنة هي في المسافة الشاسعة بين بؤس المؤسسة السياسية من جهة وبين غنى وتنوع التجارب التي مرَت بتاريخها الطويل، المتنوع والحافل بكل ما تحتاجه السياسة عادة كي تزدهر بالمعنى والشكل الحقيقيين، ذلك أن شكلانية الأداء الفكري والسياسي حالا دوما دون أن يكون لتلك التجارب تأثيرها المباشر في صفوف الفصائل والأحزاب، بل ومنع نشوء حركات سياسية جديدة تبدأ من مواقع مختلفة لا تقع في الأخطاء والسلبيات ذاتها. هي معادلة بالغة القسوة تبدو فيها شروط الشتات بالغة القسوة، وقادرة كلَ مرة على إزاحة أي تجديد من طريقها، والإستمرار في رؤية المشهد الواقعي من حدقة الرضا.

جريدة المستقبل