الإغارة على مجمع اليرموك السوداني..أبعاد استراتيجية

هاني حبيب-خاص زمن برس
لا تحاول إسرائيل أن تنفي إقدامها على قصف مجمع الصناعات العسكرية في الخرطوم في منطقة اليرموك بالعاصمة السودانية مؤخرا، وهي إذ لم تقر فعلا بإقدامها على ذلك، فإنها حاولت من خلال وسائل الإعلام الإسرائيلية اضافة لتصريحات متفرقة من المستويات السياسية والأمنية، الايضاح أن إسرائيل لديها مبررات عديدة استوجبت قصف هذا المجمع الصناعي العسكري.
ليست المرة الأولى التي تقوم بها طائرات سلاح الجو الإسرائيلي باختراق الأجواء السودانية، فقد سبق وقصف أهداف ادعت أنها عبارة عن قوافل لنقل أسلحة من السودان إلى حركة حماس أو حزب الله عبر الممرات البرية غير الشرعية في مصر، إلا أن الجديد في قصف مجمع اليرموك، أن هذا المصنع، حسب وسائل الإعلام الإسرائيلية، هو مصنع إيراني يديره خبراء عسكريون إيرانيون، وحسب المحرر العسكري في صحيفة يديعوت أحرنوت " إن هذا المصنع اقيم في إطار اتفاق بين طهران والخرطوم قبل أربع سنوات، وبمقتضاه أقيمت مستعمرة إيرانية مستقلة تماما عن السلطات السودانية، لصناعة الأسلحة الخفيفة والذخيرة على أنواعها، والتي يتم نقلها الى موانئ إفريقية، حيث تنقل منها إلى إيران، أو إلى سيناء، أو يتم نقلها إلى حماس وحزب الله، ويقول المحرر العسكري أليكس فيشمان المقرب من أجهزة المخابرات الإسرائيلية، إن إسرائيل بعدما أيقنت أن هذا المصنع الإيراني في الخرطوم، بات يشكل خطرا أمنيا على إسرائيل، لم تتردد في قصفه وتدميره.
حاولت وسائل الإعلام الإسرائيلية أن توحي من خلال هذه الضربة، أن سلاح الجو الإسرائيل، يوجه رسالة إلى طهران، مفادها أن بعد المسافة لن يقف عائقا أمام قدرته على توجيه ضربة إلى إيران عندما يتم اتخاذ القرار السياسي بذلك، طالما أن الطائرات الإسرائيلية، تمكنت من ضرب هدف في الخرطوم يبتعد 1200 كيلومتر. لكن هناك مؤشرات عديدة، تكشفت أن الطائرات الإسرائيلية لم تنطلق من الدولة العبرية بالضرورة لضرب مجمع اليرموك في الخرطوم، وعلى الأرجح أن هذه الطائرات انطلقت من جنوب السودان، أو أرتيريا، وربما أثيوبيا، وهي دول صديقة لإسرائيل وتقيم معها علاقات أمنية معلنة، بحيث يمكن لإسرائيل الانطلاق منها لتحقيق أهداف عسكرية أمنية.
إقدام إسرائيل على ضرب الخرطوم، يوجه رسالة واضحة إلى جمهورية مصر العربية، التي تعتبر السودان امتداداً لعمقها الاستراتيجي، وعلى مقربة من هذه الضربة، تقع مصالح استراتيجية مصرية، ذات طبيعة عسكرية واضحة، إلا أن الأهم، أن السد العالي، الذي يسهم في انعاش الحياة الاقتصادية والاجتماعية في مصر، قد بات، وفقا للتصور الإسرائيلي، هدفا محتملا سهلا لطائرات سلاح الجو الإسرائيلي، علما أن مسؤولين كبار في القيادة السياسية الإسرائيلية، سبق وهددوا بتدمير السد العالي أكثر من مرة خلال السنوات القليلة الماضية، خاصة وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان الذي هدد علنا عام 2010 بتدمير السد العالي، ورفض الاعتذار حتى الآن من هذا التهديد العلني.
كما أن هناك مخاوف إسرائيلية من إقدام مصر على إقامة مفاعلات نووية للاستخدام المدني جنوب مصر، ومن أن يؤدي ذلك إلى تهديد أمني لإسرائيل في حال تم تطويرها في ظروف معينة إلى استخدامات عسكرية، إضافة إلى أن مثل هذه المفاعلات، ستؤدي إلى تحسن الوضع الاقتصادي وإعداد الطاقة الكهربائية، بما يشكل عبئا على التوازن الاستراتيجي في المنطقة لصالح مصر، الأمر الذي لن تسمح به إسرائيل. كما أن هذه الضربة للمجمع الصناعي العسكري في الخرطوم، من قبل إسرائيل، توجه رسالة اطمئنان إلى حلفاء إسرائيل الأفارقة، من أنها ليست بعيدة عن نجدتها في حال تعرضهم للخطر، خاصة في سياق السيطرة على مياه النيل والسدود المقامة على النهر في محاولة للإضرار بمصر سياسيا واقتصاديا. وأن إسرائيل باتت تنافس الوجود الفرنسي والبريطاني والصيني في القارة السوداء، بل إنها تجاوزت هذه الامبراطوريات في قدرتها على أن تلعب دورا إفريقيا خطيرا، بعيدا عن الأضواء!!.




