إسطوانة الانقسام الفلسطيني ووحدانية التمثيل

يجتهد المتحدثون باسم حركتي فتح وحماس في كل مناسبة أو بدون مناسبة لإتهام الطرف الآخر بإتخاذ إجراءات أحادية 'تؤبد الانقسام الفلسطيني'. ويزيد ناطقو فتح وحلفاؤهم من فصائل اليسار الفلسطيني على ذلك بإتهام حركة حماس بخرق 'وحدانية التمثيل الفلسطيني'. سمعنا هذه الإسطوانة في مناسبات كثيرة، كان آخرها تعليق حركة حماس على انتخابات الضفة الغربية، التي رأت الحركة أنها تعمق الانقسام، وتقضي على أي فرصة للتوافق وإعادة الوحدة بين 'جناحي الوطن'!.وسمعناه ايضا في تعليق حركة فتح وفصائل اليسار الفلسطيني على زيارة أمير قطر إلى قطاع غزة، التي رفضت من قبل الحركة وحلفائها باعتبارها زيارة تساعد غزة على الاستمرار بعصيانها على السلطة، وتعطي حماس الفرصة لخرق وحدانية التمثيل والشرعية الفلسطينية؟.

فما الذي يؤبد الانقسام الفلسطيني فعلا؟ ومن المسؤول حقيقة عن خرق وحدانية التمثيل؟ لا شك أن أي خطوة أحادية في الضفة الغربية الغربية أو قطاع غزة تساهم إلى حد معين بتعزيز الانقسام الفلسطيني، إذ أن الحقائق التي تبنى على أرض الواقع ستمثل عائقا إجرائيا في حال الوصول إلى مصالحة وطنية بين حركتي فتح وحماس، لأن إزالة هذه الحقائق سيصطدم بمصالح فئات شعبية وفصائلية يتعين أخذها بعين الاعتبار عند الوصول إلى المصالحة المنشودة. ولكن هذا الإجراءات ليست إلا أعراضا للمرض الاساسي، وهي وإن كانت تسبب إشكالات مستقبلية إلا أن معظمها لا بد من اتخاذه من أجل تسيير الحياة اليومية للمواطن الفلسطيني، الذي لا يمكن أن يصبر الدهر كله قبل أن يحقق متطلبات حياته الأساسية بانتظار تحقيق المصالحة وإنهاء الانقسام.

فلا يمكن مثلا عدم إجراء تعديل وزاري ضروري لأسباب عملية هنا أو هناك حتى إنهاء الإنقسام، ولا يمكن الامتناع عن إنشاء أجهزة أمنية في غزة تحمي المواطنين بحجة أنها تعمق الانقسام، ولا يمكن رفض زيارة لزعيم عربي تسعى إلى فك الحصار عن قطاع غزة وتقدم بعض المساعدات لتسهيل الحياة على الغزيين بحجة أنها تساهم في فصل غزة عن الوطن. لذلك فإن الحرص على إنهاء الانقسام الفلسطيني يتطلب بحثا عميقا في أسبابه الجذرية والعمل على علاجها، بدلا من تضييع الوقت في الاتهامات حول إجراءات أحادية ليست إلا عرضا للمرض الحقيقي، وهو غياب أجندة واضحة للمصالحة الفلسطينية، تقوم على الاتفاق على برنامج سياسي ونضالي يعيد للشعب الفلسطيني ألقه النضالي، ويرجع بالمشروع الوطني الفلسطني إلى موقعه المحوري في المشروع النهضوي للأمة العربية.

إن الوصول إلى مصالحة حقيقية على أسسس نضالية تنهي الانقسام بشكل نهائي، يتطلب وجود رغبة حقيقية لدى الطرفين بهكذا مصالحة، وهذا لا يمكن أن يتم إلا بعد أن تتخلص حركتا فتح وحماس من بعض الأوهام التي تشكلت مع مرور الوقت. وأول هذه الأوهام هو تصميم فتح على أنها هي ممثل المشروع الوطني الفلسطيني وأنها أول الرصاص وأول الحجارة وبالتالي فإنها يجب أن تظل قائدة لهذا المشروع، وهذا يعني أن الحركة لن تكون مستعدة للوصول إلى أي اتفاق ينهي الانقسام ويحقق المصالحة الوطني إلا إذا تأكدت أن هذا الاتفاق سيحقق لها استمرار تحكمها بالسياسة الفلسطينية. أما حركة حماس، فإن عليها أن لا تركن إلى وهم إقامة دولة فلسطينية محررة على قطاع غزة، أولا لأن هذه الدولة غير ممكنة واقعيا باعتبارها خاضعة لسيطرة الاحتلال الإسرائيلي جوا وبحرا، وثانيا لأنها لا تساوي سوى 2 في المئة من مساحة فلسطين التاريخية، ولذلك لا يمكن اختزال النضال الفلسطيني بتحرير هذه النسبة البسيطة من أرض فلسطين التاريخية، دون أن يعني ذلك التقليل من أهمية تحرير أي شبر من أرض فلسطين بشرط أن لا يتحول هذا التحرير إلى وهم يعيق النضال الفلسطيني لتحقيق برنامج شامل لمقاومة المشروع الفلسطيني.

وفيما يتعلق بوحدانية التمثيل الفلسطيني، فإن الحديث عنها من قبل حركة فتح يثير الاستغراب، إذ أن وحدانية التمثيل التي كانت تتمثل في منظمة التحرير الفلسطيني قد تم الانقضاض عليها أساسا من قبل حركة فتح، التي ترفض إصلاح المنظمة من جهة، وتعمل بشكل مبرمج على تحويل الشرعية إلى السلطة الفلسطينية كبديل عن المنظمة من جهة أخرى، وهي بذلك تحرم الفلسطينيين داخل الوطن وفي الشتات من المنظمة التي يقبل بها غالبية الفلسطينيين كممثل شرعي عنهم، وكمنجز وطني يجب الحفاظ عليه.

لقد تم الاتفاق على إصلاح المنظمة في اتفاق القاهرة عام 2005، وفي اتفاق القاهرة 2009، وفي اتفاق الدوحة 2012، ولكن رؤية فتح لهذا الإصلاح كما يبدو تتلخص في إجراء انتخابات لتجديد قيادة المنظمة من قبل الفلسطينيين حيث أمكن إجراء الانتخابات، وهو ما يعني أن الإصلاح لن يتم دون الوصول إلى توافق حول شكل هذه الانتخابات، ودون تحقيق الظروف الملائمة لإجرائها، وهو أمر لا يعرف الوقت المراد لتحقيقه بالنظر إلى أنه مرتبط بالدول المضيفة للفلسطينيين، وبعضها كما هو متوقع سيمانع إجراء الانتخابات على أراضيه..

ولذلك فإن ربط إصلاح المنظمة بالانتخابات والامتناع عن القيام بأي خطوة عملية في إعادة تفعيل هيئات ومؤسسات المنظمة قبل إجرائها، يعني بشكل عملي منع الإصلاح، وهو ما يسقط أي معنى لإتهامات حركة فتح لحركة حماس بخرق وحدانية التمثيل الفلسطيني، لأن من يعطل إصلاح المنظمة هو بالإساس من يقدم المبررات لعدم الاعتراف بها، ولرفض الالتزام بوحدانية تمثيلها للفلسطينيين.

جريدة القدس العربي