حتى تعود "فتح "حركة قائدة

ابراهيم دعيبس جاءت تصريحات الرئيس ابو مازن للقناة الثانية الاسرائيلية في غير وقتها فلسطينيا وان كان قد اراد من خلالها توجيه رسالة الى الاسرائيليين، خاصة قوله ان من حقه ان يزور بلدته صفد ولكن ليس من حقه الاقامة فيها اي لا يريد العودة اليها لانه يرى ان فلسطين اليوم هي فقط حدود 1967 بما فيها القدس، وهو بذلك يسقط ولو عن نفسه شخصيا، حق العودة.
ولانه رئيس السلطة وليس مجرد شخص عادي فان لمضمون القول مغزى اوسع كثيرا من شخصه، وهذا ما اثار ردود الفعل الواسعة في الاوساط الفلسطينية وزاد طين فتح والسلطة المزيد من البلة، رغم محاولات البعض «تجميل الموقف» و «ترقيع » الصورة. اما قول الرئيس بانه لن يسمح بقيام انتفاضة ثالثة مسلحة فليس جديدا وهو من جانب يدل على التمسك بالحل السياسي السلمي، ولكنه من جانب اخر يتجاهل حقيقة ان الحل السلمي هذا وصل بالقول والافعال الاسرائيلية الى ابواب مغلقة وان التمسك به كخيار وحيد لا بديل له، انما هو تعبير عن المأزق وليس الحل.
ليس بعيدا عن المأزق السياسي هذا، فان السلطة بقيادة فتح تواجه مأزقا اقتصاديا مدمرا معروفة تداعياته ونتائجه على كل مناحي الحياة في الضفة، ولا يلوح في الافق اي انفراج، بل ان الوضع مرشح للتصعيد في حال توجه السلطة عمليا الى الامم المتحدة لنيل شبه عضوية للدولة الموعودة. ومن الواضح ان تصريحات الرئيس والمأزق المالي والتوجه المتوقع هذا الشهر للامم المتحدة كلها صور مختلفة لموقف واحد وهو المأزق السياسي الذي تمارسه السياسة الاسرائيلية المتغطرسة والتوسعية واللامبالية باي طرف او قوة سوى ما تخطط له وتريده.. مدعومة بنفوذها وتأثيرها على صانعي القرار في الدول صاحبة القرار، كما نرى في الولايات المتحدة تحديدا وفي مرحلة الانتخابات بصورة خاصة. واذا انتقلنا الى زاوية ثانية وهي الانقسام الفلسطيني فان وضع السلطة في الضفة ليس احسن حالا. لقد بدأت دويلة او امارة حماس في غزة تلقى تأييدا غير اعتيادي بلغ ذروته في زيارة امير قطر واستقباله استقبال الابطال وبمراسم دولة بما في ذلك من اناشيد وطنية وسجاد احمر واستعراض للحرس ومصافحة للضيوف رغم ان اسماعيل هنية رفض مصافحة الشيخة موزه، كما قيل. ثم جاءت زيارة نجل ملك البحرين للقطاع لتدشين مشاريع تماما كما فعل شيخ قطر.
وعلاقات مصر تحت قيادة الاخوان المسلمين صارت اقوى مع الاخوان في حماس وقيل انها تقف على مسافة واحدة من الطرفين اي انها ترى السلطة الرسمية مثل سلطة حماس في غزة .وفي تركيا كذلك لدى احتفالها الرسمي قبل عدة اسابيع كان خالد مشعل هو الضيف الفلسطيني وليس الرئيس ابو مازن جنبا الى جنب مع كبار الضيوف وفي مقدمتهم الرئيس المصري محمد مرسي، والقى خطابا مهما كغيره من المدعوين، لان تركيا ترعى الاخوان المسلمين ايضا وبضمنهم حماس وجانب من المعارضة السورية وقيل ان رئيس وزراء تركيا اردوغان اقترح على ابو مازن مرافقته الى غزة التي يخطط ليزورها هو الاخر .!!
ان الانقسام لم يتعمق فقط ولكن كفة حماس بدأت ترجح بسبب التطورات الاقليمية، وازادادت الحرب الاعلامية شراسة بين الجانبين وكانت بعض تصريحات قادة كبار في حماس ضد الرئيس وتصريحاته منافية لاية اصول او لياقة حوار وتعامل سياسي. وكانت الانتخابات المحلية الاخيرة وكما كان متوقعا، ضربة قوية لحركة فتح ، فقد فازت القوى الفتحاوية المفصولة او المستقيلة على حساب القوى الرسمية. وكان لا بد لهذه التطورات ان تدق طبول الايقاظ والانذار للحركة رغم ان البعض يحاول دفن الرؤوس في الرمال والقفز في الهواء فوق الواقع الواضح. وكان عضو اللجنة المركزية عباس زكي هو الذي دق ناقوس الخطر وادرك بصدق وعمق حقيقة الوضع، حيث اشار الى ان فتح تبحث عقد مؤتمر عام استثنائي لوضع استراتيجية جديدة لها.
وقال بالحرف: ان قيادة الحركة تمر الان بحالة حرجة نتيجة عدم تلبية المطلوب منها على صعيد صلابة البناء الداخلي، ولا على صعيد ان تكون لفتح قوة حقيقية وصلبة لمواجهة التحديات». ان فتح تواجه مفترق طرق مصيرياً، فأما ان تعود حركة ثورية قائدة ورائدة كما كانت وكما اراد لها الزعيم الراحل ابو عمار الذي نحيي بعد ايام ذكرى استشهاده ، او تتحول الى مجرد سلطة ونظام مثل اية انظمة عربية ، دون ان تكون لها اي سلطة حقيقية فعلا. وبكل الصراحة والصدق اؤكد اني اقول هذا بدافع حبي للحركة والحرص عليها والخوف من بدائلها ومن دوامة الفراغ والمجهول التي يعيشها المواطنون في الضفة وخارجها حالياً ويعانون منها ومن نتائجها القريبة والبعيدة. فهل من يسمع؟
جريدة القدس




