نحو مؤتمر وطني لا مؤتمر اقتصادي أو اجتماعي

يبدو ان الأزمة المالية التي تعاني منها السلطة الفلسطينية واحتمالات ان تزداد هذه الأزمة قساوة في اعقاب التوجه للامم المتحدة لاستصدار قرار بالاعتراف بفلسطين كدولة غير عضو في الامم المتحدة، اصبحت تسيطر على دوائر اتخاذ القرار سواء في اللجنة التنفيذية للمنظمة او الحكومة او الفصائل التي تشارك في اجتماعات اللجنة التنفيذية او تشكل جزءا من القيادة السياسية في رام الله.
انشغال الجميع بالأزمة المالية الحالية والمتوقعة يعكس ازمة خطيرة على الساحة الفلسطينية يمكن حصرها في القول بأن لقمة العيش اصبحت تقف على رأس جدول الاولويات وان كل الطروحات التي تتحدث عن حكومة فصائلية او الاتفاق على سياسة موحدة كبديلة للحكومة الفصائلية او عقد مؤتمر اجتماعي اقتصادي، كلها تستهدف فقط كيفية التعامل مع الازمة المالية.
والذي يثير القلق اكثر من ذلك هو الحديث صراحة عن استبعاد امكانية تشكيل حكومة وحدة وطنية بحجة ان الظرف غير مؤهل لذلك والمضي قدما في اجراءات ادارية وسياسية تصب كلها في خانة تكريس الانقسام وتثبيت الوضع الراهن في الضفة والقطاع. هذا التشتت في العمل والتفكير على الساحة الفلسطينية ناتج عن تكريس الانقسام من جهة، وغياب الافق والرؤية السياسية من جهة ثانية والاصرار على ارتهان السياسة والمستقبل الوطني الفلسطيني لطروحات وقناعات عفى عليها الزمن ولم تعد صالحة للتداول في ضوء التطورات المحلية الاسرائيلية والفلسطينية والاقليمية والدولية. لا يجوز لأحد ان يحتكر الحاضر ولا ان يرتهن المستقبل فنحن جميعا في قارب واحد ان غرق غرقنا جميعا وان وصل الى شاطىء الأمان نجونا جميعا.
مشكلتنا الاساسية هي اننا شعب واقع في ظل الاحتلال من حقه ان يعيش بحرية وكرامة على تراب وطنه. ونحن جميعا شركاء في هذا الهدف وشركاء ايضا في مسؤولية تحقيق هذا الهدف ولا يجوز لأحد ان ينفرد في الاجتهاد بشأن تحقيقه او لآخر ان يجلس على الرصيف يكيل التهم والسباب لمن يجتهدون، او لثالث ان يخلد الى الراحة وكأن الامر لا يعنيه، او لرابع ان يستسلم لليأس والاحباط.
واذا كان هدفنا هو التحرر والاستقلال فلماذا نقبل تقزيم هذا الهدف وجعله ينحصر في لقمة العيش او ما يسمى بالأزمة المالية والبدء في البحث عن حلول لها. هل عقد مؤتمر اجتماعي اقتصادي لمعالجة الوضع المالي المتأزم هو المخرج من المحنة التي نحن فيها؟ وهل الحديث الرومانسي عن حوار وطني شامل تمهيدا لعقد المجلس الوطني على مستوى الفصائل في الوطن وخارجه هو الحل؟ عن اية فصائل تتحدثون؟ هل حماس والجهاد وهما قوتان رئيسيتان على الساحة الفلسطينية شركاء في هذا الحوار وفي المجلس الوطني الذي يدور الحديث عنه ام اننا نتحدث عن نفس الاطر القديمة البالية الهشة التي ندعوها كلما اردنا ختم كاوتشوك لورقة صفراء؟ واذا كانت حماس والجهاد هما من بين ما نعنيه في الحديث عن الفصائل فأي مجلس وطني تريدون عقده وعلى أية اسس او محاصصة وهل يعتقد البعض مهما بلغت درجته من السذاجة ان مثل ذلك ممكن في زمن قصير نسبياً يتيح لنا مواجهة الخطر الداهم؟! نحن بحاجة اولاً وقبل كل شيء الى مصالحة داخل حركة فتح تعيد لهذا الفصيل وحدته وقدرته على التأثير الايجابي باعتباره صاحب الرصيد التاريخي النضالي للحركة الوطنية الفلسطينية ومصدر الشرعية لمن يركبون الموجة اليوم ويديرون دفة السفينة.
لا يعقل ان تظل الحركة فريسة صراعات اشخاص واهواء وأمزجة وحروب طوائف، ولا يعقل ان يظل هناك من يعمق الشرخ داخل الجسد الفتحاوي ويرش الملح على الجرح، واذا ما ارادت فتح ان تنهض من كبوتها فعليها ان تبدأ بنفسها من خلال مصالحة داخلية حقيقية دون رياء او تملق! واذا ما استطاعت فتح ان تنهض من كبوتها وتتحرر من عقدة الاخوة الاعداء فإنها ستكون قادرة على وضع استراتيجية وطنية تفتح الباب واسعاً امام عودة الوحدة الوطنية الفلسطينية على اساس برنامج وطني واحد تجمع عليه القوى الوطنية والاسلامية على حد سواء. لم نعد نملك ترف التراجع عن الذهاب للامم المتحدة لان مثل ذلك التراجع سيقضي على آخر ما تبقى للقيادة الحالية من مصداقية، وليكن هدف الجميع هو اعادة تقييم الموقف والمنهج وخطط المستقبل لما سيأتي بعد قرار الجمعية العمومية القادم وليكن العمل كل العمل لاستصدار مثل ذلك القرار في أقصر فترة زمنية حتى نعرف أين نقف واين يقف المجتمع الدولي من قضيتنا والى أين تتجه.
الذين يؤيدون توجهات رام الله معروفون، والذين يؤيدون توجهات غزة معروفون، والذين اختاروا لانفسهم الجلوس على الجدار ومهاجمة رام الله او غزة معروفون ايضاً والدعوة اليوم هي الى عقد مؤتمر وطني شامل يضم كل اولئك وهؤلاء بعيداً عن المهاترات والتخوين والسباب للتداول حول مستقبل الشعب والارض في معزل عن محاولة اي طرف الهيمنة او السيطرة مسبقاً على ما قد يصدر عن المؤتمر من قرارات او توصيات او خطة عمل مستقبلية ملزمة للمشاركين فيه وتشكل اساساً لبرنامج وطني شامل.
جريدة القدس




