اصطفاف اليمين الإسرائيلي: محاولة أخيرة للإمساك بدفة التاريخ!

الاصطفاف اليميني الجديد في إسرائيل بين حزبي الليكود و «إسرائيل بيتنا» ليس جديداً إلا في قرار خوض الانتخابات في لائحة انتخابية واحدة. فالتحالف بين الحزبين قائم من قبل، وتطابق وجهات النظر في القضايا الكبرى والصغرى بينهما قائم هو أيضاً. ومع هذا فهو يحمل دلالات أبعد من الاصطفاف الحزبي الداخلي في إسرائيل وأبعد من مجرّد تموضع اليمين حيال ما يُمكن أن يكون تموضعاً جديداً لقوى الوسط الليبرالي عشية الانتخابات المبكرة في كانون الثاني (يناير) المقبل.

فما الذي حصل وما الذي يُمكن أن يحصل؟ لقد تطورت السياسة الإسرائيلية الداخلية منذ أواسط التسعينات على أربعة محاور. الأول: نشوء إجماع واسع يقضي بتطبيع علاقة الدولة مع المراكز الاستيطانية الكبيرة واعتبارها نهاشية وجزءاً من إسرائيل ضمن أي تسوية مع الفلسطينيين. الثاني: إدارة الصراع وإطالة أمد الوضع القائم ما استطاعت إسرائيل إليه سبيلاً في كل ما يتصل بالمسألة الفلسطينية وتحويلها إلى مسألة خدمات بلدية وتسهيلات حركة التنقّل وما تحمله من نمو طفيف في حركة التجارة والعمل.

الثالث: الانزلاق بالديموقراطية الإسرائيلية المحدودة إلى نوع خاص من الأبرتهايد المتدرّج تناصره غالبية إسرائيلية مُطلقة في ظلّ الإصرار على إعلان إسرائيل دولة يهودية (الاعتراف الأميركي بإسرائيل في 1947 تم بشطب «اليهودية» من المستند الذي وقّعه الرئيس الأميركي حينها)، وهو إصرار موجّه إلى الفلسطينيين في الداخل تحديداً ولتوفير غطاء لسياسات إسرائيلية نحوهم.

الرابع: إحلال التهديد الإيراني ومخاطر التحولات العربية على إسرائيل بدل استحقاقات المسألة الفلسطينية وبناء الخوف اليهودي كمادة لتشكيل الواقع وإدارة السياسات نحو الداخل الإسرائيلي ونحو الخارج، أيضاً.

وفي رأينا أن تحالف اليمين - اليمين يصب في هذه التطورات ويسعى إلى دفعها قدماً من خلال تحقيق أجندات انتخابية وحزبية داخلية. بمعنى، يُمكننا أن نتلهى بأسئلة التفاصيل الصغيرة وما تسربه الصحافة الإسرائيلية من تفاصيل مثيرة أكثر أو أقلّ عن تمهيديات التحالف ودوافعه. أو يُمكننا أن نبحث الآن عن شكل اصطفاف ما يُمكن اعتباره قوى الوسط الليبرالية مقابل اليمين. وقد تكون في هذا وذاك بقية إثارة إعلامية ما على غرار ما أشيع في تل أبيب من أن التحرك قصد الالتفاف على المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية الذي من المفترض أن يبتّ في أمر تقديم لائحة اتهام ضد زعيم حزب «إسرائيل بيتنا» عريس التحالف اليميني الجديد. لكنني أرجح أن القصد من التحالف أبعد من هذه التفاصيل بكثير.

فهو اصطفاف يُقصد به الكسب الانتخابي الاستثنائي لغرض ضمان التأييد لسياسات إسرائيلية مندفعة إلى أمام في المحاور التي أشرنا إليها آنفاً، لا سيما الملف الإيراني والمسألة الفلسطينية. فنتانياهو الذي خسر المعركة ولو موقتاً على الملفّ الإيراني في السجال مع الرئيس الأميركي أوباما يستعدّ لكسبها في جولتها المقبلة بعد الانتخابات في إسرائيل وأميركا. ونرجح أن سياسات إدارة الصراع مع الفلسطينيين ستشهد زخماً يُقصد به تكريس الوضع القائم كوضع نهائي، من ناحية اليمين الإسرائيلي على الأقلّ الذي قد يبادر إلى انسحاب من جانب واحد من مناطق السلطة الوطنية.

أما الجديد فهو تجاوز الخطاب الديموغرافي الذي يبثّه الليبراليون وفلول اليسار. فإسرائيل يمينية متماسكة حول قيادة يمينية ستستطيع، وفق هذا التحالف، إدارة الملف الديموغرافي أيضاً بين البحر والنهر. بمعنى، أن هذا اليمين المدعوم شعبياً والمستند إلى إجماع يتجاوز القاعدة الشعبية لليمين نفسه، والفاعل تحت غطاء مواجهة الخطر الإيراني يعتقد أنه لم يعد ملزماً في هذه المرحلة التاريخية بأي شيء تجاه المسألة الفلسطينية والفلسطينيين عموماً، بمن فيهم الفلسطينيون في إسرائيل نفسها بأي شيء سوى ما تحقق لهم حتى الآن، ويسعى للاستفادة من انشغال المحيط العربي بسيولة أوضاعه وانهياراته.

أما إذا لم يعجبهم فليبلّطوا البحر أو يشربوه! المقولة العرفاتية ذاتها معكوسة يقولها للفلسطينيين في الجبل ولأولئك في الساحل أيضاً! طبعاً، ستندفع عجلة هذا التوجّه أكثر في حال رحل الرئيس براك أوباما وحلّ محلّه رومني. فمن المرجح أن يحضر الملف الإيراني بكثافة كحدث وخطاب تنبري القيادة الإسرائيلية اليمينية بحجتهما وتحت غبارهما تبرّر سياسات معادية لحقوق الإنسان داخل إسرائيل ومعادية للمسألة الفلسطينية تماماً.

فمن سيسألها، في ظلّ تهديد وجودي إيراني، أسئلة الديموقراطية عن حقوق الإنسان أو حقوق الفلسطينيين ومسألتهم! يحاول اليمين الإسرائيلي كأي يمين آخر أن يحلّ المسألة اليهودية حيث وصلت على طريقة اليمين التاريخية، من خلال التمترس في تخوم الهوية والشحن والتجييش والركون إلى القوة. وهو في هذا يخطو في تقديرنا آخر خطواته باتجاه استقدام السيولة في المحيط العربي إلى داخل فلسطين التاريخية. يعتبرها هو لحظة تاريخية للانقضاض على الواقع ليشكّله على هواه ونعتبرها آخر محاولاته للإمساك بدفة التاريخ.

جريدة الحياة