تنظيم الانقسام إن يكن إنهاؤه غير واردٍ!!

من المألوف أن تعرف كل المجتمعات مستقرة كانت أم متوترة ، حالات من الاختلاف والانقسام بسبب تباين الرؤى بين قواها السياسية الأساسية ومشاريعها ورهاناتها ومصالحها أو بسبب دفاعها عن استمرار هيمنتها وتحكمها في الحقل السياسي . غير أن هذا الأمر لا يكون عاديا ولا منطقيا، إذا ما تجاوز ليحدث شرخا وطنيا: عاطفيا أو ماديا، يضع المنقسمين أنفسهم ومجتمعهم معا في جحيم سياسي ما، وعند الوصول لهذه النقطة يصبح الوضع بحاجة لتعريف ووصف آخر غير الانقسام.

وفي هذا المستوى البائس من العمل السياسي ذهبت القوى السياسية الفلسطينية كل بطريقتها وسياقها لإنتاج حالة انقسام نفسي وسياسي وثقافي كانت الأكثر خطورة ورداءة في تاريخ الفلسطينيين المعاصر ،حصلت في الزمن الخطأ وبالطريقة الخطأ وكان لها أثمانها الباهظة التي دفعها الفلسطينيون من صلب عواطفهم ومصالحهم معا. وبدل الصراع السياسي الهادف والمنظم بين نماذج ومقاربات مُختلفةٍ أو مُتخالفةٍ، ذهبت هذه القوى لترف الانقسام المُهلكِ، متسلحة بغرائز سياسية منفلتة من أي عقل او عقال،غرائز بمقدورها أن تطيح بأبنية عاتية وليس ببنية تقوم في مهب الريح على غرار ما هو حال الفلسطينيين .

إن خطاب الانقسام الفلسطيني ومفرداته وصوره ودلالاته كما عبر عنها أطرافه على مدار السنوات الماضية، تحيل للوقوف عند منظومة مروعة من الكراهية المتبادلة والرفض النفسي والثقافي والسياسي القائم عند القوى المنقسمة تجاه بعضها البعض، كما أنه خطاب يوطد فكرة جوهرية هي : صعوبة التوافق بين القوى المنقسمة، إذا لم تكن استحالة ذلك نفسيا وسياسيا على الأقل. ورغم وجود فوارق دالة بين طبيعة وخلفيات وسمات هذه الأطراف، إلا أن النتائج التي تمخضت عن الانقسام تجعل من هذا الامر تفصيلا يذوب ويذوي في سياق ما خلفه من نتائج وما ترتب عنه من أضرار جسيمة مست الجسد الجمعي للفلسطينيين ،الذين أصبحوا أسرى عنده وعند مفاعيله الضارة .

أما مساسه الأخطر فيتمثل فيما ألحقه من أذى وتشويه بصورتهم أمام أنفسهم وأمام الاخرين معا. ورغم أن المجتمع الاهلي الفلسطيني هو المتضرر الاول والدائم من الانقسام ، إلا انه لم يتمكن من بلورة تيار أو قوة او لحظة او خطاب او ممارسات ذات جدوى، تحاول الضغط من أجل إنهاء الانقسام ، وظل الامر محصورا بأصوات مقصومة الظهر انتهت محبطة ، أو بهواة تعاملوا مع إنهاء الانقسام كصرعة انتابتهم ، أخذت مداها ولم يبق منها سوى الغبار.أما المغرضون فقد وجدوا الكثير من ضالتهم فيه.

وفي الجهة المقابلة كان حلف يقوم هناك بين معادلات تتحكم في الواقع الفلسطيني مثل: معادلة العجز العضوي أو بالإرادة . ومعادلة الاستقالة من كل دور له معنى ، أو معادلة سوء النية وفساد الإرادة والوعي ، أو معادلة القطيعة مع الواقع ومع متطلباته واحتمالاته التي تنتاب نخب الفلسطينيين وعامتهم معا، في محيط محلي وإقليمي وكوني يمر بمنعطفات قاسية . وقد وجدت هذه المعادلات بيئة مناسبة لها في المشهد الفلسطيني واستولت عليه، وتمكنت من تجريد الطاقة الجماعية الفلسطينية- وسط تواطؤ الجميع- من بقايا قدرتها على الصمود والمناعة والمناورة والتأثير والتكيف الإيجابي مع الاحتمالات المركبة وما تطرحه من متطلبات ، وقدما مع الزمن كان الانقسام يتمأسس وتتراكب مفاعيله وخسائره، كما كان يشكل مداره وثقافته ووقائعه، ويتحول لقدر سياسي حاكم حتى اللحظة على الأقل. إن استقرار الانقسام ووجود قوى حاملة له ومعنية به ترفعه لمرتبة الخيار، هو الذي افشل كافة المحاولات التي كانت ترمي لتحويله لنوع من التساكن أو الزواج بالإكراه يجمع أطرافه تحت سقف واحد، وبضوء ذلك فإن الإدراك السياسي المناسب للواقع الراهن يتطلب فحص كل الفرضيات عند تداول الانقسام وتقليب إمكانيات معالجته ، على قاعدة وضع حّد لخسائره أو تنظيمه اذا لم يكن إنهاؤه ممكنا في المدى المنظور،حتى لو جرى ذلك في إطار شاق أو غير مُستوعبٍ نفسيا وسياسيا لتيار قليل أو كثير من الفلسطينيين .

وفي هذا الإطار وطالما تفشل كافة الجهود في معالجة الانقسام ولا تتوفر الإرادات الحقيقية لذلك، فلماذا لا تقوم القوى الفلسطينية المعنية وفي أولها المجتمع الأهلي الفلسطيني، سواء: من باب مصلحتها، أو من باب الهدى السياسي، او من باب التلطف بنفسها، او من باب الصدقة، او على أي باب شاءت، بفحص جدي لفرضية إعادة إنتاج شاملة للسلطة ومهامها في الضفة الغربية على قاعدة المتطلبات المستديمة والعاجلة التي تهم كل الفلسطينيين حيثما كانوا، وتبقى على رؤيتها للوضع القائم في غزة بوصفه وضعا متمردا(كما تصنفه) إلى أن يأتي التوافق المحتمل ذات يوم قادم بين الفرقاء بأمر سياسي يكون مفعولا.

وفي نفس الوقت تقوم حركة حماس، بإعادة انتاج وضع السلطة القائمة في قطاع غزة، على أساس روحية نفس المتطلبات، وتبقى على حاله النزاع حول شرعيته مفتوحة ، وتنازع أيضا حول باقي طروحاتها المختلفة او المتخالفة مع السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، بصفتها الاطار السياسي العام ، ويكون لسقف التباين السياسي دليل عمل بناء، يرمي الوصول لكل توافق ممكن ، مع ما يتطلبه ذلك من شروط وتكيفات يتعين على جميع الاطراف القيام بها ، ويتفقون على منع تفاقم أضرار الانقسام كحد أدنى . إن هذه الفرضية التي قد تبدو مُنفرةٍ في مكان ما، وربما يصنفها البعض في إطار "الحرام السياسي" لأنها تعني بالنسبة لهم، تعزيزاً للانقسام، و(قد)تنطوي على بعد صادم للوعي السياسي الفلسطيني العام واحترامه العالي للأوهام المنهكة،تتشكل في الواقع كفرضية رئيسية في طريق التعاطي اللازم ( ولكن الغائب حتى الآن) في معالجة تداعيات الانقسام، الذي تكرس بصورة تجاوزت المخاوف والذعر السياسي والوجداني منذ سنوات تتقادم. وعلى الوعي الفلسطيني الذي يدرأ الانقسام بمخاوف وممارسات تعززه وتكرسه في الواقع، ان يتصالح مع حقائق الأمور ، لأن إجراء انتخابات في الضفة الغربية ومنعها في غزة مثلا وتسويق ذلك كحلالٍ سياسيٍ هو أمر ينطوى على تناقض مركب، في حين يتم التعاطي مع أي احتمالات أخرى من نفس النوع كحرام سياسي يكرس الانقسام .

بينما الحرام في السياسة (إن كان فيها حراما) هو كما الحلال، يكون شاملا وليس انتقائيا، خصوصا عندما يكون من نفس الفئة مثل الانتخابات أو التغيرات الحكومية مثلا . وفي هذا السياق فإن تشكيل أكثر من حكومة في الضفة الغربية كانت تحفظ حصة غزة في التمثيل ، هو في السياسة ، محاولة إعادة انتاج للسلطة جرت في ظل الانقسام ، كما ان قيام اكثر من تعديل في حكومة غزة وقيام رئيسها مؤخرا بتفويض(أغلب) صلاحياته لأحد نوابه، هو إعادة انتاج للسلطة في ظل الانقسام أيضا .

والمثير أن الأطراف المعنية بهذه الإجراءات هنا وهناك تتعامل معها، باعتبارها حلالا سياسيا يمليه فقه الشرعية والضرورة، بينما تتعاطى أوساط فلسطينية هنا وهناك مع إجراءات بعينها (غالبا ما تكون ضرورية وملحة) وكأنها تكريس للانقسام. إن فعلا (ما) لتحرير الفلسطينيين من حالة الارتهان للانقسام بكل مندرجاته البائسة، ومن حالة سلبية تتحكم بوعيهم، ولو من خلال إجراءات صادمة للذات وللآخرين هو أمر لازم، سيجد المعنيون مبررات له من نفس فقه الواقع الذي يخول لغيرهم ممارسات مختلفة في ظل الانقسام عينه .

في ظل تعاظم الازمة البنيوية الفلسطينية التي تضرب القوى السياسية والمجتمع الاهلي معا في زمن خطر وحرج، يحتاج الفلسطينيون لمقاربات تهز وعيهم ووعي غيرهم حيث الاتكاء عل ثقافة "سارحة والرب راعيها" لا تفيد، لان الله تعالى يرعى من يتلطفون بأنفسهم، ويتدبرون امرهم على نحو مكابد ولائق. وفي توصف لا يخلو من قسوة قال مراقب سياسي يوما : إن وضع حركتي :فتح وحماس، يشبه وضع قابلتين تتزاحمان بشدة لتوليد ام تحمل جنينا تعرفان بأنه ميت، بثمن موت الأم نفسها ، وفي هذا المشهد المؤلم تلعب القوى السياسية الفلسطينية الأخرى الموجودة في حيز النزاع الداخلي القائم أو على أطرافه دور شهود الزور الذين لا حول لهم ولا قوة. وأما ذوو الام، اللذين هم عموم الفلسطينيين فيراقبون فرضيات موت الأم التي تجري على أعينهم، بصمت وعجز ولامبالاة معا تتشكل على هيئة تواطؤ، وفي أحسن أحوالهم يصدرون ضجيجا غير مجدٍ، لا يسمعه أو يعيره أحدا أيما اهتمام . ومقابل حلف الانقسام الفلسطيني الناطق بقوة في الواقع، ثمة حلف آخر ليس صامتا ولكنه يقول كلاما تذروه رياح لا تبقي ولا تذر، لها قدرة على تجرد الصوت (حتى) من الصدى كأدنى حق من حقوقه، وفي أحسن الأحوال تحوله ضجيجا. وحتى ما يقال هنا فهو كما غيره ، مساهمة في ضجيج يستقر في مدار بنية البؤس الفلسطيني المتجذرة بفاعلية، وهذا ما يؤشر على المدى الذي تأخذه التجليات المؤذية للبعد المأساوي الذي يسكن الشخصية الفلسطينية ويحكم واقعها ووعيها معا.

جريدة القدس