هل الشعب قادر على مزيد من الصبر ؟

مر الشعب الفلسطيني بمجموعة من الكوارث والأزمات عبر القرن الماضي، وفي كل مرة كانت خسائره كبيرة، ففي إضراب عام 1936 ، توقفت كل الحياة الاعتيادية في فلسطين التاريخية كلها، وتناقص الدخل لأفراد الشعب الفلسطيني بشكل كبير، وتعرضوا للتنكيل والاعتقال والقتل وتعرض زعماءه للأبعاد، وكان ذلك دفاعا عن أرضهم من المصادرة، ومحاولة لمنع السياسة البريطانية المشجعة للهجرة اليهودية.
وفي حرب 1948، خسر الفلسطينيون ثلاثة أرباع أرضهم، وتم تهجيرهم من البلاد، وعاشوا في مخيمات للاجئين في الضفة والقطاع وفي لبنان وسوريا والأردن، وضحى الشعب الفلسطيني بأغلى ما يملك.
وعام 1967، كانت هناك نكسة أخرى زادت من عدد اللاجئين الى خارج البلاد، وعاد الشعب للعيش تحت احتلال بغيض نكل بهم واعتقل أكثر من ربع السكان لفترات متفاوتة ، وصادر مزيدا من أراضيهم وأقام مستوطنات عليها، وباتت قيادتهم في الشتات.
وصبر الشعب الفلسطيني ! وفي العصر الأكثر حداثة لذاكرة معظم الناس، ففي الحرب العراقية الكويتية قبل أقل من ربع قرن، شحت الموارد الفلسطينية، ولم تستطع منظمة التحرير آنذاك أن تدفع رواتب مناضليها وموظفيها لأشهر زادت عن ستة، وفقد آلاف الفلسطينيين وظائفهم في الخليج، وتأثرنا في الداخل هنا بنقص التحويلات المالية التي كان يحولها هؤلاء المغتربون لأسرهم...
صبرنا آنذاك وتحملنا وتخطينا أياما عجافا! وفي حصار المرحوم الشهيد الرئيس عرفات في المقاطعة، قبل اقل من عشر سنوات، تعطلت الحياة، وعجزنا عن توفير الرواتب لستة أشهر، ودخلت جرافات ودبابات الإسرائيليين المدن والقرى، وحطمت شوارع ومباني ومحلات تجارية، خسرنا الكثير لكننا صبرنا وتجاوزنا المحنة ، بالرغم من أننا خسرنا الرئيس عرفات فيها!! واليوم نتعرض لأزمة مالية ، تتأخر فيها الرواتب، وتعجز السلطة عن سداد التزاماتها للموردين والمقاولين، والمؤسسات التي يفترض إن تدعمها السلطة، ويقل النقد في أيدي الناس وفي الأسواق، ويتعرض النظام المصرفي لهزة جديدة محتملة، أساسها التحول التدريجي الذي حصل في المجتمع، الذي تحول من مجتمع حريص يؤمن بالنضال، إلى مجتمع استهلاكي يؤمن باقتناص الفرص والسعي نحو الرفاهية المزيفة ، التي ارتبطت بتمويل بنكي للاستهلاك أو لشراء الشقق أو السيارات أو تأثيث منزل، حتى الاقتراض بضمان عقود مع السلطة التي لا تلتزم بسدادها للقطاع الخاص ، حتى أصبحت معظم قطاعات الشعب تعيش هوس موعد تسديد الرواتب أو موعد تسديد جزء من ديون السلطة للقطاع الخاص ، وتعيش أسيرة للبنوك ولهذا الهوس!.
لقد خلفت السياسات المتراكمة لحكومات السلطة الفلسطينية في السنوات الثمانية عشرة السابقة، مجتمعا فلسطينيا أكثر ترهلا، وأقل تضامنا مجتمعيا
واليوم أيضا وعشية توجهنا للأمم المتحدة لنيل اعتراف بنا كدولة غير عضو في الأمم المتحدة، بدأنا نتلقى التهديدات المباشرة والغير مباشرة ، من الإسرائيليين والأمريكيين، والتي تعني تجفيف أكثر لموارد السلطة الفلسطينية، الجافة أصلا، فبين تهديد إسرائيلي بوقف تحويلات الضرائب التي تحصلها نيابة عنا، ووقف تشغيل العمال الفلسطينيين في إسرائيل، ووقف تصاريح الدخول إلى إسرائيل أو تصاريح التجار، وتهديدات دولية بتقليص الدعم للسلطة إن أقدمت على الاستمرار بالطلب، فبتنا نعيش أرقا أكثر!.
الأسئلة المطروحة الآن :
هل مهدنا الطريق وهيئنا الشعب لأن يقف صفا واحدا مع السلطة في سعيها للانضمام للأمم المتحدة ؟
هل الشعب يعي ويعرف أنه سيتعرض لضغوط حياتية تصعب حياته أكثر؟
وهل الشعب اليوم مستعد للصبر والتحمل كما كان سابقا؟ الله أسأل أن يصبح حالنا أصلح، أو أن نعود لأخلاق وصبر وتآخي وتعاطف مثل زمان !!




