الشهيد القائد...أزمة «فتح»... وتهميش م.ت.ف

تشرين ثاني هو شهر مميز في التاريخ الفلسطيني فهو الشهر الذي صدر فيه وعد بلفور المشؤوم وهو شهر رحيل القائد الرمز الشهيد ياسر عرفات، وهو شهر اعلان الاستقلال والدولة وهو شهر صدور قرار التقسيم رقم ١٨١ وهو شهر يوم التضامن العالمي مع الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني، ولنا معه ايضاً موعد جديد قادم هذا الشهر. هذه الاحداث المتتالية في شهر تشرين ثاني تعطي كل من له اهتمام بفلسطين او الفلسطينيين الفرصة للكتابة او الحديث سلباً او ايجاباً عن الحقوق الفلسطينية والاداء الفلسطيني ومستقبل الشعب والقضية.
نحن اليوم نحيي ذكرى الشهيد القائد ابو عمار بمشاعر مختلطة من الحزن والاسى والاعتزاز والافتخار بمواقفه ونضالاته وصموده الاسطوري، وكذلك من الندم لان الفترة التي عاشها بيننا لم تستغل بما فيه الكفاية لتحقيق القفزة النوعية نحو احقاق الحق الفلسطيني. لقد كان عرفات بشراً مثلنا يصيب ويخطىء ولم يكن حوله من كان يستطيع ان يقف بحزم أمام الخطأ او ان يمد يده لمساندته حين كان على صواب وعجز من كانوا حوله عن امتلاك الرؤية المستقبلية واخفقوا في اقتناص اللحظة المناسبة لاتخاذ القرار والقيام بالعمل المناسب.
كل ما قرأته خلال الايام الماضية كان محقاً وصادقاً في تعداد مناقب الشهيد ومواقفه البطولية وصموده الاسطوري امام كل الضغوط عليه. ولكنني لم أعثر على تحليل منصف يعطي الرجل حقه وبنفس الوقت يضع الاصبع على مواطن الضعف لعل غيره يستطيع ان يستفيد من التجربة فيتجنب الوقوع فيها.
لقد كنت في فترة ما قريباً من القائد الراحل واسجل هنا وبكل اعتزاز ان كل ما كتب عن صموده وحسن قيادته وانه الرمز الذي وحد الجميع وشكل قاسماً مشتركاً بين من كانوا معه ومن كانوا ضده، وانه رفض الانصياع للضغوط والاغراءات والابتزاز..كل ذلك كان صحيحاً لا شك فيه.
ومع كل ذلك فإن القائد الرمز الذي عاد الى الوطن لم يكن قادراً على التحول الذهني من شخصية المقاتل الى شخصية رجل الدولة، كما انه ظل متأثراً بنمط القائد العربي او الحاكم العربي مما جعل اداءه في بعض المجالات متسماً بالفردية قاصراً عن الوصول الى الهدف.
لم يكن عرفات يثق بأحد وكان يعتقد بأنه هو وحده صمام الامان للثورة الفلسطينية وبالتالي كان يصر على ان يظل يمسك كل الخيوط بيده وان لا يفوض الصلاحيات لمن كانوا يعملون معه وان يبقى هو المرجعية لكل الاشخاص ولكل الاشياء.
ونتيجة لهذه القناعة فقد تم تغييب العمل الديمقراطي داخل حركة فتح قرابة عقدين من الزمن شاخت خلالها قيادات الحركة وتوفي او اغتيل من اغتيل مما اضعف الاطار القيادي للحركة وكرس فيها نظام الفرد.
ومع ان الرئيس الحالي محمود عباس قد دعا الى اعادة تفعيل المنهج الثوري الديمقراطي وعقد المؤتمر السادس للحركة الا ان هذا المؤتمر اخفق في اشراك كل القيادات والرموز في الحركة وتجاهل المئات منهم، واشرك اشخاصا لا تاريخ نضاليا لهم وجعل البعض يؤثر ان يسجل لعضوية المؤتمر موظفا او سكرتيرة في مكتبه بدلا من مناضل امضى عشرات السنين في السجن والاعتقال او الابعاد، مما جعل المؤتمر يتمخض عن قيادة ليست هي افضل ما لدى فتح او ما تستطيع حركة فتح ان تقدمه، وقد برز مستوى اداء ومصداقية هذه القيادة في الاسلوب الذي تم من خلاله اختيار مرشحي الحركة لانتخابات المجالس المحلية مؤخرا والفشل الذي منيت به الحركة في بعض المواقع.
ونتيجة لهذه القناعة ايضا لدى الرئيس القائد الراحل فقد تم تجميد اطر ومؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية والتداخل بين هذه الاطر والمؤسسات وبين حركة فتح ثم في وقت لاحق التداخل بينها وبين مؤسسات السلطة الفلسطينية الامر الذي اوصلنا اليوم الى الواقع المحزن لمنظمة التحرير التي لم يعد لها وجود سوى الاسم ولم يعد للجنتها التنفيذية دور سوى وضع الختم على ما يقدم لها.
وانا اذ اقول هذا فانني لا اعني النقاشات التي يمكن ان تتم خلال وداخل اجتماعات اللجنة التنفيذية وما تتضمنه هذه النقاشات من مضمون رائع ومفيد وانما اعني القصور عن تبني الكثير من الآراء او الأفكار التي تطرح والقيام في نهاية الأمر في وضع البصمة على ما يريده القائد.
فالخلل الذي اصاب حركة فتح والتهميش والافراغ الذي اصاب المنظمة هما من العوامل الرئيسية في فشل الأداء الفلسطيني في هذه المرحلة واصلاحهما يشكل الخطوة الاولى الحقيقية نحو اعادة تنظيم البيت الفلسطيني من الداخل ووضعه عند مستوى تحديات المرحلة الحالية والقادمة. في ذكرى رحيل الشهيد القائد نقف اجلالا واكبارا له لانه لم يكن لنفسه بل كان لشعبه اجتهد فأصاب في كثير من الأمور ولم يحالفه الحظ في البعض الآخر.
في ذكرى رحيل الشهيد القائد ونحن يعتصرنا الحزن والألم لفقدانه، نؤكد في نفس الوقت وفاءنا وولاءنا لوطنيته الصادقة وتضحياته التي لا تقدر وندعو الذين اولوا زمام القيادة من بعده لأن يأخذوا العبرة من فشل القيادة الفردية رغم كل ما ميزها من اعتقادات وقناعات شريفة وسامية.
وان يعيدوا حساباتهم وان يعملوا بجد على اعادة تنظيم البيت الفتحاوي من الداخل، واعادة المضمون والجوهر الى منظمة التحرير الفلسطينية، مع يقيني بأنه لو تم ذلك فانه سيفتح الباب واسعا امام تحقيق المصالحة الوطنية مع القوى الاسلامية، ويضع حدا لاطماع بعض المتسلقين الذين يعتاشون على فتات الانقسام وصراع الاخوة الاعداء.
رحمك الله يا ابا عمار وطيب ثراك وادخلك الجنة مع الانبياء والشهداء وحسن اولئك رفيقا.




