سيناريوهات ما بعد العضوية

لتهديدات التي اطلقها وزير خارجية اسرائيل افيغدور ليبرمان مرت دون ردود افعال فلسطينية او عربية او دولية، و باستثناء التصريحات الفلسطينية المعتادة، فقد مر تهديد ليبرمان بتفكيك السلطة بهدوء شديد، وقد يدل ذلك على الاستهانة بالمهدد او المهدد او بكليهما، فالصراع الفلسطيني الاسرائيلي صراع هادىء و يمكن السيطرة عليه و لا يهدد المصالح ولا يحمل مخاطر امنية، وقد تحول بفعل الاعلام و التغيرات الحادة في الاقليم و العالم وقدرة اسرائيل ومن ورائها في تخفيض حدة هذا الصراع الى ان يتحول الى ما يشبه الصراع الداخلي.

وقد نكون قد ساهمنا نحن انفسنا بخلق مثل هذا الانطباع بسبب رغبتنا المحمومة في الحفاظ على" الانجازات" التي تحققت، وقد تمثلت هذه الرغبة في الحفاظ على الامن و الادارة و التعاون و التنسيق، الامر الذي سمح للمحتل ان يسوق نفسه و دولته و سياسته كما يريد. ولكن هذا ليس بيت القصيد، فبيت القصيد هو ان هذه الغضبة الاسرائيلية المفتعلة بسبب التحول الفلسطيني الى الامم المتحدة لطلب عضوية مراقب انما تدل حقا و فعلا على القدرة الفذة في التلاعب الخداع و تمرير المخططات و تقاسم الادوار و توفير المواقف لاوقاتها للابتزاز و الضغط و المساومة، وهي امور برعت فيها اسرائيل منذ عقود طويلة .

اذ ان اسرائيل لا تستطيع تدمير السلطة الفلسطينية هكذا ببساطة، و السبب في ذلك ان اسرائيل جربت الاحتلال المباشر للاراضي الفلسطينية لاكثر من ثلاثين سنة ثم غادرت و بحثت عن اشكال اخرى للاحتلالات غير المباشرة، ثم ان تدمير السلطة دون بدائل مقبولة محليا و اقليميا و دوليا انما تعني الفوضى الشاملة و الكاملة، وهو ما لا تسمح به اسرائيل ولا تقبله، فامعاؤها الاستيطانية ممتدة على سفوح الجبال في كل الضفة الغربية المحتلة، وهذا يعني تعريض هذه الامعاء للاذى بشكل كبير. و اعتقد ان اسرائيل غير مستعدة لذلك، على الاقل في المستقبل المنظور، و ذلك انتظارا لحل ملفي ايران و سوريا، ثم ان الادعاء بان اسرائيل ستستخدم حركة حماس بديلا او تهديدا محتملا او واقعيا للسلطة الفلسطينية انما هو كلام ينقصه الكثير من الدقة و الحكمة، فاسرائيل جربت التنسيق مع الحركة الاسلامية في غزة في اوائل الثمانينيات و لكن الامور جرت على عكس ما توقعت، كما ان الدروس المستفادة من الغرب الذي اعتمد على حركات اسلامية في افغانستان كانت مخيبة للامال ايضا، ولا تستطيع اسرائيل ايضا ان تخلق بدائل جربت في السابق مثل المخاتير و الوجهاء "كما في السبعينات" او روابط القرى كما في "الثمانينات" او قيادات محلية بعيدة عن مظلة منظمة التحرير الفلسطينية كما في "اواخر الثمانينات و اوائل التسعينات"، ولا تستطيع اسرائيل ان تلحق الضفة بالاردن - او العكس - دون ان يكلفها ذلك الكثير مما لا تستطيع دفعه، ولان كل تلك البدائل مجربة او مكلفة، فلماذا تغضب اسرائيل كل هذا الغضب، و تهدد بالويل و الثبور و عظائم الامور. المشكلة هنا ان اسرائيل استطاعت و منذ عام 1999، حتى اليوم ان تنهي المزاج الدولي - بما فيه الامريكي - القائل بضرورة ميلاد دولة فلسطينية مستقلة، اذ يذكر الجميع ان الحديث عن الدولة الفلسطينية و ضرورتها و اهميتها لحفظ الامن الاقليمي بما فيه امن اسرائيل كان من الشيوع و الذيوع الى درجة ان شارون آمن بالفكرة و دعمها، ولكن اسرائيل تتغير بأسرع مما نعتقد، و تتبدل بشكل غير متوقع، فقد انطفأ الحديث عن الدولة فجأة، ولم يعد ميلاد هذه الدولة ضرورة استراتيجية للمنطقة كلها، وصار الحديث عن التشاور و التعاون مع المحتل للوصول الى حل - دون الكلام عن تفاصيل هذا الحل - ومن الغريب ان يتبدل الموقف الغربي في معظمه من الكلام عن الدولة الى الكلام عن المفاوضات الثنائية و ضرورتها . والاهم من هذا كله ان اسرائيل لم تعد تذكر ضرورة هذه الدولة او الاشارة اليها، بل تركز الحديث عن "التفاوض" و "الحلول الممكنة".

ان اختفاء الحديث عن دولة فلسطينية خطير جدا ولا بد من الالتفات اليه بدقة، اذ ليس من الصدفة ابدا ان نفشل في الحصول على عضوية الامم المتحدة قبل سنة، و ليس من الصدفة ايضا ان نهدد بهذا الشكل غير المسبوق بعدم الذهاب الى الامم المتحدة مرة اخرى . فهل هناك سيناريوهات خطيرة مخبأة تغطي عليها التهديدات الاسرائيلية الخرقاء؟! و هل يمكن للانقسام ان يشكل بوابة لاحدى هذه السيناريوهات الخطيرة؟! و هل حصولنا على "عضوية مراقب" مدخل اخر لاحدى تلك السيناريوهات المعدة سلفا!! كل ذلك ممكن، فالانقسام يغري باقامة دولة في احدى المنطقتين، و عضوية المراقب تسمح بالانضمام او الضم او الكونفدرالية، و كل ذلك يسمح بالتنصل من اتفاق اوسلو رسميا و التخلص من كل تبعاته و اثاره و قيوده، وبعد هذا كله، فان عضوية المراقب قد تسمح بحل اقليمي اكبر من كل ذلك و خصوصا اذا تم التوصل الى حل الملف السوري و الايراني.

ان اسرائيل الماضية قدما في تكريس الاستيطان و انشاء بنية تحتية محكمة في الضفة الغربية و تحويل العملية السلمية الى مضيعة للوقت لا تستطيع ان تستمر في هذا الوضع الى الابد، فالاحتلال مرض فتاك يطيح بأعتى المجتمعات و اكثرها قوة و منعة و حكمة، فما بالك باسرائيل التي ينخرها الاختلاف السياسي و الاجتماعي و الثقافي . و لهذا، اعتقد ان غضبة اسرائيل هي غضبة مفتعلة، ولا تستطيع ان تنفذ تهديدها، ليس فقط بسبب رفض اطراف دولية لذلك، بل بسبب ما اعتقد ان اسرائيل ستراه يصب في مصلحتها، فاعتراف العالم بفلسطين عضوا مراقبا سيفتح المجال امام التسويات و ستنفرج الطرق المسدودة و الافاق المأزومة، و سيخرج الجميع - بما فيهم اسرائيل - راضين عن النتيجة، اذ يفوز الفلسطينيون بشبه دولة تسمح لهم بالشعور بالانتصار و تسمح لهم بعقد الاتفاقات الدولية التي لا تضر باسرائيل، واذ يسمح ذلك لاسرائيل ان تتفاوض مع الفلسطينيين - ومن بعدهم العرب- على تسوية الاوضاع حتى الاستيطانية، وهو ما يعطي المجال لاسرائيل ان تنتقل من كيان دائم الحرب الى كيان عادي مثل بقية خلق الله. و بالمناسبة، فان هناك تيارات ليست قليلة في اسرائيل و في الولايات المتحدة و حتى في قلب اللوبي اليهودي في امريكا من يطالب بذلك. اذن، لماذا تغضب اسرائيل كل هذا الغضب؟! و لماذا تهدد بتفكيك السلطة التي لا تستطيع تفكيكها؟! الا يعتقد الاسرائيليون ان تفكيك السلطة ستكون اسوأ رسالة يمكن لهم ان يوجهوها الى الامة العربية الاسلامية التي تقول ان السلام مع اسرائيل وهم و كذبة كبرى، و ان احدا من العرب و المسلمين لن يستطيع بعد ذلك ان يتكلم عن الاعتدال و التقاسم ..الخ..الخ..الن تكون تلك رسالة سيئة الى الغرب نفسه، الذي انشأ ودعم و رعى اسرائيل، بان اسرائيل لا تريد و لا ترغب بصنع السلام، بحيث يضطر هذا الغرب ان يراجع سياسته او يعدلها او يقلبها تماما، ذلك ان اسرائيل لا تستطيع ان تتجاوز الخطوط الحمراء التي يسمح الغرب لها باللعب دون تخطيها،خصوصا اذا ترافق ذلك مع بعض الضغط العربي و الاسلامي على هذا الغرب الذي نقصد.

تفكيك السلطة ليس شأنا اسرائيليا بحتا، وقد عرف ذلك شارون ذلك عام 2002،ولا اعتقد ان ليبرمان سيملك ما امتلك شارون، ولا اعتقد انه يملك ايضا رؤية سياسية حتى لجمهوره، اذ ان اول من سيدفع ثمن تفكيك السلطة هو ليبرمان نفسه.

ان سيناريوهات ما بعد العضوية ستخلق - في معظمها- انفراجات سياسية و امنية حتى على المستوى الداخلي الفلسطيني، اذ اعتقد ان ذلك سيساهم في تضييق فجوات الخلاف بين فتح و حماس بسبب الاجندات و التحديات الجديدة. اما تهديدات اسرائيل- وفي حالة كونها دولة غير عقلانية- فلن تستطيع تنفيذها بكاملها، اذ على اسرائيل ان تدرك ان العالم قد تغير. و امام اسرائيل- في حالة انها دولة عقلانية وواقعية -حلان لا ثالث لهما : اما الاتفاق مع الفلسطينيين على دولة حسب ما تم التداول بشأنه على مدى عشرين عاما، او الاحتلال العنصري المباشر، اما الحلول التي تقع بين هذين الخيارين فمصيرها الفشل و المزيد من الكراهية و الدم.هو اذن خيار واحد لا بديل عنه ليكون العالم افضل :دولة فلسطينية حرة و مستقلة وآمنة و مسالمة. جريدة القدس