احتجاجات ارتفاع الأسعار: قيم المواطنة في مواجهة البطريركية

قبل أسابيع قليلة أعادت الموجة التي ظهرت كأنها عدةُ أيامٍ من الاحتجاجِ على ارتفاع الأسعار، إظهار توجهات تحمل في ثنايها مفاهيماً ستشكل أسساً للعلاقة المستقبلية بين جيل الشباب من جهة، والمدافعين والمستفيدين من نظام المجتمع البطريركي؛ النظام الأبوي السائد حالياً في العلاقة بين المجتمع وأفراده، من جهة أخرى. عندما انطلقت شرارة الاحتجاج على ارتفاع الأسعار، كانت الحركات الشبابية الفلسطينية في معظمها حركاتٍ تحاول منذ عدة أشهر التواصل على “الانترنت والفيسبوك” لتنظيم نفسها، في محاولة للنزول إلى الشارع، احتجاجاً على الأحداث التي تعصف بالكل الفلسطيني، ومطالبةً بظروف حياتية أفضل.
رفع الأسعار خلق جواً من الحنق والسخط الشعبي، وجاءت الفرصة الملائمة لنزول الحركات الشبابية بقوة إلى الشارع، لتعبر عن مطلب شعبي يخلق التفافاً حولها.
لكن الحراك الذي كان يهدف للاحتجاج السلمي، فوجئ بحركة منظمة من البلطجة تجتاح الشارع الفلسطيني في الضفة الغربية، من جنوب الخليل إلى شمال جنين، حركة استطاعت بتنظيمها إغلاق كل شارع رئيسي في كافة المدن والمحافظات الفلسطينية (بنفس الأساليب والأوقات!)، حركة نتجت عن تفاعل النظام الأبوي، وفئاته، ومصالحه المختلفة، مع المطالب العامة. أدت هذه الحركة المنظمة إلى شرخ الحركات الشبابية التي تحوي تيارات فكرية مختلفة، ومختلفة جداً، إلى عدة مواقف؛ فبعض الشباب إنجر إلى العنف، فيما حاربه بعضهم، ووقف البعض الأخر متفرجاً لا يعلم موقفه.
إلا أن الأكيد أن جيل الشباب الذين حمل العديد من الافكار والأفعال الإيجابية بقي تلقائي التوجه، معتمدا في تحركه على مجموعة واسعة من الأفراد الذين يتولون تحريكه وتوجيهه عبر “الانترنت والفيسبوك”، فظهرت نشاطات وفعاليات اثبتت حضور الشباب المسؤول في الشارع، كما ظهرت أحداث لا تعبر حتى عن أبسط المفاهيم العقلانية لمرتكبيها.
لكنهم أثبتوا على وجود جيل كامل يعاني التهميش، كما أنه يحمل في ثناياه طاقة زعزعت بعض أفكار الأجيال القديمة. مع حداثة التجربة الشبابية وقلة خبراتها، إلا أنها أثبتت حتى هذه اللحظة قدرة الشباب إذا ما استطاعوا تنظيم أنفسهم، وتجميع قدراتهم وراء أفكارهم وطروحاتهم، على خلق تجديد في الشارع الفلسطيني، مؤسساته، وسياساته، وأفراده، عن طريق مواجهة الأنظمة السلطوية الأبوية التي تحكم علاقاته، وتسير أفعاله.
لكن التغيير الذي احدثته الحركات الشبابية حتى اللحظة، لم يتعدَ كونه تغييراً هامشياً في قشور العلاقات بين جيل الشباب والأجيال الأكبر سناً؛ (جميع الأجيال التي بقيت تعيش في القرن السابق)، فالتحرك أحدث إدراكا من هذه الأجيال بطاقة الشباب المؤثرة في الشارع، بدون إيمانهم في أفكار الشباب التي طرحت في أماكن عجز الجيل الأكبر عن فهمها أو حتى عن الوصول إليها، ما أنتج سعي الجيل القديم لمحاولة تسخير طاقة الشباب في خدمة أغراضه القديمة نفسها؛ عن طريق محاولة إشراك الشباب في مؤسساته القديمة إشراكا ظاهرياً، فأبقى على نفس النمط في العلاقات السلطوية بين الجيلين دون محاولة حقيقية لاستيعاب الشباب وأفكارهم، ودون رغبة في إدراك جوانب القصور التي دفعت بالجيل الشاب لتشكيل أطره الخاصة، بعيداً عنهم وعن قلاعهم “التاريخية”.
من هنا فإن الشباب مطالبون بالعمل وبجهد أكبر على تجميع أفكارهم وصياغتها، دراستها والعمل على تنظيمها؛ قبل نقل هذه الأفكار من صفحات “الانترنت والفيسبوك” إلى الناس في الشارع، فالتحرك في الشارع سينتج بالضرورة خلال مراحله المختلفة صداماً مع ممثلي النظام البطريركي في المجتمع، الذين سيسعون بعدة وسائل منها خلق البلطجة والبلطجية “البطريركية” فكرياً وعملياً، مواجهة الراغبين في إحلال علاقات جديدة من التعامل بين الأجيال والأفراد، تحطم تسلطهم وعلاقاتهم السلطوية، وتعتمد في جوهرها على القانون والحريات، والحقوق الفردية، ما سيؤدي إلى تقليص مفاهيم النفوذ القديمة التي تعتمد على العشيرة، والقبيلة، والطائفة، والعرق تدريجياً، وإحلال قيم المواطنة والمساواة مكانه، ما سيفقدهم قدرتهم على السيطرة على المجتمع، أفكاره، وعلاقاته، ويحطم مصدر قوتهم، ويهمش فيه دورهم. الأمر الذي سيدفعهم للدفاع عن أنفسهم، وسلطتهم، ولو بشراسة.




