أشخاص لا يرون الشمس

هذه ثاني ثلاثيتي عن غزة والتي أحاول فيه نقل نبض الواقع المعاش، كما خبرته ورأيته وسمعته في عيون الناس هناك. هناك في غزة جيش من الخريجين والطلاب وجمع شاب، لا ترى أمانيهم النور، وبينهم أناس قد خطوا طريقهم العلمي في استفادة واضحة من الاحتياج الملح الذي وظف للوصول الى الاختراع. يرى الزائر لغزة قدرة عجيبة على الحياة، إرادة لا تثنيها الطائرات، ولا الاختناق المعنوي، ولا حتى انعدام القدرة على السفر، او حتى حقوق التنفس التي يريد الاحتلال حجبها عن شعبنا باكمله.
تسكن هذه القدرة على التكيف وجدان كل فلسطيني رغم إحباطه في كثير من الأحيان وسطوة اليائس على مخيلته، فهو يشق طريقه كمن يحفر في الصخر بحثا عن أوكسجين الحياة. هذه تماما قصة مجموعة من المبدعين الشباب الذين يزخر بهم القطاع. فهناك من صنع مركبة تعمل بالطاقة الشمسية، ومن وظف موج البحر لتوليد الطاقة، ومن نقل الانترنت عبر خطوط الكهرباء، ومن صمم جهازا متكاملا لانقاذ الغريق، ومن وفر استهلاك الكهرباء عبر نظام تحكم ذكي، ومن منع احتراق اجهزة البيت مع تقلب التيار الكهربائي الغائب اصلا عن الوجود في معظم الايام، وهناك أيضا من صمم نظام تعليم خاص لاصحاب الاحتياجات الخاصة، ومن افتتح مطعما كاملا يديره الصم، إضافة لمن اخترع نظاما حوسبيا لتطوير جودة التعليم.
هناك في غزة ولدت افكار نوعية تشرفت احتفالية الإبداع بعرض نماذج عنها وصلت حد الفوز بمسابقة الاحتفالية، كمشروع الاستعاضة عن الزراعة التقليدية بالزراعة العامودية، التي تحتاج الى مساحة لا تزيد عن اربع وستين مترا مربعا تحتضن مزروعات مرتبة عبر طبقات عامودية في أحواض لا تستخدم التراب، بل الماء والأملاح والضوء بحيث تتحكم دارة كهربائية بإدارة تلك العناصر لضمان الظروف الأفضل لنمو تلك المزروعات. هذا الجهد وبالمساحة المذكورة يغني المزارع عن الحاجة لاستخدام دونمين من الأرض مما يختصر الحاجة للأرض المحدودة اصلا في قطاع غزة.
مشروع آخر يتولى تطوير الألعاب الإلكترونية، بحيث لا تقتصر على الترفيه فقط، وإنما تضم كل المقومات التي تثري عالم المعرفة لدى المستخدم أيضا، بالتالي يتعلم المرء في كل مرة يقرر فيها اللعب إلكترونيا. مشروع آخر يستفيد من ضيق المساحة لتطوير أثاث متعدد الأغراض، يساهم وبصورة ذكية وبتكلفة معقولة في معالجة ضيق المساحة المتاحة للمواطن الفلسطيني.
أفكار كثيرة لأشخاص تمتلئ قلوبهم وعقولهم بشغف الإبداع لكنها تبقى بعيدة ومستبعدة من النور ومن شمس الحضور نتيجة طغيان السياسة وحديث الانقسام على حياتنا. لذا ولربما عندما تبدأ هذه المبادرات وفرسانها برؤية الشمس سنكون كلنا أقرب إلى التحرير.




