أقـلـيـة الأغـلـبـيـة

شموئيل روزنر
ثماني سنوات هي زمن طويل. خمسون سنة هي زمن أطول. ها قد مرت خمسون سنة منذ اضطرت إسرائيل للعيش ثماني سنوات تحت ظل إدارة أميركية بعلاقات متوترة مع الحكومة الإسرائيلية. من دوايت آيزنهاور وحتى باراك أوباما لم يقع أمر كهذا. بديهي، أن العلاقة توترت مع رؤساء، لكنهم جميعاً كانوا رؤساء الولاية الواحدة، أو أقل. مع جون كينيدي لم يكن الأمر مريحاً على الدوام. واغتيل بعد ثلاث سنوات. مع جيرالد فورد كان الوضع صعباً. لكنه طرد بعد أقل من ولاية. مع جيمي كارتر وقعت مشاكل. ولكن لم تكن فقط مع الإسرائيليين.
ولم نتمكن على الدوام من تدبر أمورنا مع جورج بوش الأب. وحلّ بيل كلينتون مكانه بعد ولاية واحدة. هكذا، كنا على الدوام معززين. إلى أن جاء أوباما وأعيد انتخابه. الآن أمامنا طريقان: مواصلة التوتر لثماني سنوات، أو البدء من جديد. وليس ثمة أوجه شبه بين أيام الرئيس آيزنـهاور وأيام أوباما. فأميركا مختلفة، وإسرائيل بالتأكيد مختلـفة، والعلاقات بينهما شيء آخر. إنها وثيقة، متشعبة، ولا ترتبط فقط بالنيات الحسنة للرئيس. ومع ذلك، عندما لا يكون الرئيس الأميركي ورئيس الحكومة الإسرائيلية على علاقات جيدة، لا يكون هذا وضعاً صحياً. وبالتأكيد في عام حسم الموضوع الإيراني ـ وهو عام سيكون متوتراً حتى إذا تحسنت العلاقات بين نتنياهو وأوباما. فالإدارة الأميركية، وهذا كان سيحدث حتى لو كان الرئيس هو ميت رومني، ستشرع في الأسابيع القريبة في التباحث مع زعماء الحكم في طهران، لإجراء مفاوضات معهم. والرسالة الأميركية، التي سبق ونقلت لطهران، لا تنتهي بخط أحمر وإنما بعلامة تعجب: تحاوروا معنا وإلا! إنه تهديد مستتر، غير صريح، بأن هذه هي اللحظة الأخيرة.
الانتخابات انتهت، أوباما فاز بولاية جديدة، لم تعد هناك ذرائع. وبمعنى ما، من الأفضل لإسرائيل أن أوباما هو الرئيس: هذا يقصر فترة الانتظام، ويسمح للإدارة التي تتأهّب للتقدم بسرعة نحو مرحلة فحص جدوى الاتفاق مع إيران. وماذا إذا لم يتحقق اتفاق؟ حينها سيضطر أوباما، وليس سواه، لاتخاذ القرار. ومن الجائز أن لقادة إسرائيل خياراً عسكرياً، ولكنهم لا يملكون عنواناً آخر غير أوباما. كليفلاند، التصويت لم تكن انتخابات العام 2012 الأشد إثارة للاهتمام أو الأهم أو الأكثر عصفاً التي يمكن تخيّلها. ولو كان رومني قد فاز، لبدت الأمور مختلفة، لكن بسبب إعادة انتخاب الرئيس القائم، فإن مصير هذه الانتخابات النسيان، وربما تكون دخلت عالم النسيان.
سيقال ويكتب الكثير في الأيام القريبة عن أميركا المنقسمة، المشرذمة، وهي فعلاً منقسمة بين يمين ويسار. ومن جهة ثانية، أوباما هو الرئيس الأميركي الثالث الذي يفلح بشكل متواصل في الفوز بولاية ثانية: كلينتون، بوش، أوباما. وهذا يشهد على استقرار نسبي في الحلبة السياسية. ثلاثة رؤساء هم بالإجمال 24 عاماً طويلة في الحكم.
في يوم الانتخابات كنت في كليفلاند، أوهايو. في قسم من صناديق الاقتراع امتدت طوابير طويلة ومؤدّبة من الناخبين. وبداهة، في الصناديق التي تصوت فيها الأقليات. صناديق السود، الهيسبان. وثمة من سيقول إنها مؤامرة جمهورية ـ عرقلة التصويت لتيئيس ناخبي الحزب الآخر. ولكن بقدر انطباعي، كان الأمر مجرد قلة نجاعة من المنظمين، وأيضا قدر غير يسير من ارتباك الناخبين الأقل ثقافة، أقل تأدباً، أقل تطوراً. فاستمارة التصويت طويلة: فيها رئيس، وسيناتور، وعضو كونغرس، ونواب لكونغرس الولاية، وقضاة، وقوانين ينبغي إقرارها أو إبطالها باستفتاء شعبي.
وعلى مسافة آمنة من مدخل صندوق الاقتراع هناك من يوزع استمارة مؤشر عليها، إذا كنت ديموقراطياً، صوت وفق هذه الاستمارة، إذا كنت جمهورياً جرب هذه الاستمارة. والأصل أن قلة من الناخبين مؤهلة لاستيعاب كل قائمة المواضيع والشخصيات المطلوب الحسم بشأنها. وأياً يكن الحال، لقد أثبت الائتلاف الديموقراطي صلابة في هذه الانتخابات، وصمد في وجه الضغوط البيروقراطية والتحدي الجوهري الذي وضعه الحزب الخصم. وكانت لدى الجمهوريين مشكلة مع الناخبين الشباب، ولديهم مشكلة مع الناخبين الهيسبان والسود، ولديهم مشكلة مع الناخبات. وعندما تترشح هيلاري كلينتون على ما يبدو العام 2016 ستظهر ثانية هذه المشكلات. ويبدو أنه ليس للجمهوريين أمل مع السود في المستقبل المنظور، كما أن قصتهم مع النساء خاسرة، والرجال يفضلون اليمين. ويبقون مع الهيسبان: من دونهم ليس للحزب الجمهوري مستقبل. أصلاً، في السنوات الأربع القريبة سترون المزيد من الساسة الهيسبان الطامحين ينضمون للحزب الجمهوري. مثل موجة المنضمين الجدد لحزب العمل في إسرائيل، هنا أيضا الحديث يدور عن حزب تتوفر فيه شواغر، وفيه مجال للتقدم.
ميامي، سؤال
ابتدأ السجال حول وضع الصوت اليهودي حتى قبل أن يعلن الفائز في المعركة الانتخابية. وقد ابتدأ لحظة أن أظهرت استطلاعات الخروج من صناديق الاقتراع أن أغلبية أصوات اليهود التي تمثل 2 في المئة من الناخبين ذهبت لمصلحة أوباما ـ في البداية قالوا 68 في المئة بعدها عدلوا النسبة لتغدو 70 في المئة - وهو سيستمر حتى نهاية السنوات الأربع. والأمر بدأ بسؤال عن عدد من صوتوا لأوباما في العام 2008 ـ وهو الأساس الذي يمكن الانطلاق منه لمعرفة مقدار تآكل قوته بين اليهود في الجولة الحالية. ولكن ليس هناك اتفاق على نسبة التصويت لأوباما قبل أربع سنوات. فاستطلاعات الخروج من صناديق الاقتراع أشارت حينها إلى أن النسبة هي 78 في المئة، لكن دراسة أجريت لاحقاً، ظاهرياً أكثر عمقاً، قررت أن ذلك خاطئ وأن أوباما حصل عملياً على 74 في المئة فقط من أصوات اليهود في الانتخابات السابقة.
والديموقراطيون يحبون هذا البحث الذي يظهر أن تراجع قوة أوباما كانت فقط بنسبة 4 في المئة. أي ضمن «نسبة الخطأ الإحصائي»، كما يهرعون للقول. أما الجمهوريون فيعتقدون أن الدراسة كانت مجرد مؤامرة لإخفاء التراجع المستمر في قوة الحزب الديموقراطي في أوساط اليهود. وأظهرت استطلاعات أخرى نشرها الجمهوريون والديموقراطيون يوم الأربعاء احتدام الخلاف بينهما. آرثر فينكلشتاين، مستشار استطلاعات نتنياهو، من الجانب الأيمن وجيم غيرشتاين، مستشار استطلاعات منظمة جي ستريت اليسارية اليهودية، من الجانب الأيسر. وينبغي أن نتذكر أنهم جميعاً يتصارعون على معنى أربعة في المئة من اثنين في المئة هي أصوات الناخبين اليهود. هاكم سبيلاً لحل هذا الخلاف: من ناحية، واضح أن اليهود بأغلبيتهم الساحقة لا يزالون مع الحزب الديموقراطي.
في مطلع التسعينيات، حينما غدا القطاع الإنجيلي مهيمناً في الحزب الجمهوري، سجّل عدد اليهود المستعدون للتصويت لهذا الحزب تراجعاً حاداً. منذ ذلك الحين لم يعد عدد اليهود الذين صوّتوا لمرشحين جمهوريين إلى ما كان عليه عند انتخاب ريغان (حوالي 40 في المئة) ولا عند انتخاب بوش الأب (35 في المئة) العام 1988. كان هذان عقدان باردان في علاقات اليهود بالحزب الجمهوري. ومن ناحية أخرى، يمكن أن نرى انتعاشاً تدريجياً في تصويت اليهود للجمهوريين.
نسبة التوالد العالية لليهود الأرثوذكس وهجرة يهود الاتحاد السوفياتي سابقاً وسّعتا خزان الناخبين المحتمل لليمين الأميركي. أوباما أضاف إلى ذلك شيئاً بعلاقاته المتوترة مع حكومة إسرائيل، وشلدون أدلسون زاد على ذلك شيئاً بحملة طموحة وباهظة التكلفة. فهل زيادة القوة اليهودية هذه تستأهل الاستثمار؟ هذا سؤال يستطيع المستثمر فقط أن يرد عليه. وكما سلف، الحزب الجمهوري، بحاجة اليوم لناخبين هيسبان، وليس يهوداً، مع كل الاحترام لقوتهم، لا يمكنهم أن يغيّروا موازين القوى الحالية. من جهة أخرى، هناك تطور مثير للاهتمام، سيؤثر على المدى البعيد على تركيبة الطائفة اليهودية وعلى العلاقات داخلها. والجمهوريون يريدون مكاناً مهماً على الطاولة، والديموقراطيون قد يردون بالتراجع. وعلى الطائفة اليهودية أن تتعلم التعايش مع هذه الخلافات السياسية من دون أن تحولها إلى خلافات تقضي على قواعد التضامن المشتركة. والأمر لن يكون يسيراً.
شموئيل روزنر
معاريف 9-11-2012




