في الطريق إلى "الصدام الأوسع": تغيُّر في سلوك "حماس"

بقلم: عاموس هرئيل وآفي يسسخروف

أصيب أربعة جنود من الجيش الإسرائيلي، أول من أمس، اثنان منهم بجراح خطيرة، بنار صاروخ مضاد للدبابات أُطلق على سيارة دورية عسكرية قرب الجدار الحدودي قرب مدينة غزة. وبنار رد الجيش الإسرائيلي قتل ستة فلسطينيين وأصيب ما لا يقل عن 35. وفور ذلك سقط 28 صاروخاً في غلاف غزة. واعترضت منظومة "قبة حديدية" صاروخ جراد أطلق نحو أسدود وسقط صاروخان آخران في مناطق مفتوحة قبل أسدود وعسقلان.

استئناف نار الصواريخ الكثيفة نحو الأراضي الإسرائيلية قد يتسبب بمواجهة عسكرية أوسع بين الجيش الإسرائيلي و"حماس"، إذا لم يتوقف التدهور. وقعت الحادثة، أول من أمس، عند الساعة الرابعة والنصف بعد العصر، قرب معبر كارني، حين أطلق صاروخ مضاد للدبابات من منطقة حي الشجاعية في شرقي غزة نحو سيارة جيب "ديفندر" مدرع للجيش الإسرائيلي، وفيه جنود من كتيبة الدورية التابعة للواء جفعاتي كان مسافراً في الجانب الإسرائيلي من الجدار، على مسافة نحو مائة متر شرقه.

وأصيب جراء الصاروخ أربعة جنود، أحدهم أصيب في رأسه وأصيب رفيقه في رأسه وجسده، حيث نقلا في وضع خطير بمروحية سلاح الجو الى مستشفى سوروكا في بئر السبع. جنديان آخران، أصيبا بجراح طفيفة، نقلا الى مستشفى بارزيلاي في عسقلان. سارع عدد من المنظمات الى تبني المسؤولية عن إطلاق الصاروخ، منها كتائب ابو علي مصطفى، الذراع العسكرية للجبهة الشعبية و"حماس" نفسها. وفي المنظمة أعلنوا أن إصابة سيارة الجيب جاءت ردا على قتل طفل فلسطيني ابن 13 مساء الخميس.

في وسائل الإعلام المتماثلة مع "حماس" شددوا على الضربة الدقيقة لسيارة الجيب، وادعوا بأن هذا سلاح جديد تلقته المنظمة. قامت قوات من فرقة قطاع غزة في الجيش الاسرائيلي كانت في المنطقة بالرد حسب خطة أعدت مسبقا، فضربت عدة أهداف لـ "حماس". وجاء الرد بالدبابات أساسا. للمرة الثانية في غضون أربع سنوات، يبدو أن الحملة الانتخابية للكنيست ستقف في ظل تصعيد أمني شديد في قطاع غزة. ففي تشرين الثاني 2008، قبل ثلاثة اشهر من الانتخابات الأخيرة، انهار في القطاع وقف النار بين إسرائيل و"حماس".

وبعد اكثر من شهر ونصف انجرت حكومة اولمرت الى حملة "رصاص مصبوب" تضمنت توغلا بريا كبيرا للجيش الاسرائيلي شمال القطاع، خلافا للخطط المسبقة للشركاء الأساسيين في الائتلاف. ومن شأن حكومة نتنياهو أن تواجه وضعا مشابها. ومع أن رئيس الوزراء يكثر من الحديث عن الحاجة الى ازالة التهديد النووي الايراني، إلا أن إحدى الأوراق الأساسية لديه في الانتخابات الحالية تتعلق بالهدوء الأمني النسبي الذي يتمتع به مواطنو اسرائيل في سنوات ولايته. ويهتز هذا الإنجاز في ضوء ما يبدو الآن تدهوراً لا تحكم به في غزة. كل حدث يتعرض فيه الجيش الاسرائيلي الى اصابات على حدود قطاع غزة – وبالأساس كل هجوم بالصواريخ على سكان النقب – يدفع الى الأمام بحملة عسكرية اسرائيلية، حتى وان لم يكن نتنياهو يرغب في ذلك، ومع أنه يعرف ان التوغل البري قد يتعقد. الجانب الذي يصعب حل لغزه في أحداث الأسابيع الأخيرة يتعلق أساسا بسلوك "حماس". فمنذ "رصاص مصبوب" قدروا في اسرائيل بأن المنظمة تسعى الى الامتناع عن مواجهة مباشرة مع الجيش الاسرائيلي، وانه في كل مكان يتعين عليها أن تختار بين الحاجة الى إظهار المقاومة المسلحة لاسرائيل وبين الحفاظ على سيطرتها في القطاع، ستفضل الخيار الثاني. وفي الأشهر الأخيرة طرأ تغيير في سلوك المنظمة. بداية، سجل دور لها في تمويل نشاط لفصائل أكثر تطرفا، شاركت في إطلاق النار على اسرائيل. وفي وقت لاحق شاركت "حماس"، علنا، في الهجمات ضد قوات الجيش الاسرائيلي. يتركز الصراع التكتيكي لـ "حماس" في ذاك القاطع بعرض بضع مئات من الأمتار غرب الجدار، داخل الأراضي الفلسطينية. فقد درج الجيش الاسرائيلي على العمل فيه بين الحين والآخر، ولاسيما لتفكيك ساحات من العبوات الناسفة، فيما تحاول "حماس" ردعه من اجتياز الجدار.

ولكن بعض الحوادث في الأسابيع الأخيرة، والتي تبنتها "حماس" بصراحة، وقعت بالذات في الجانب الإسرائيلي من الحدود. وهكذا أصيب بجراح شديدة قائد سرية من لواء جفعاتي، النقيب زيف شيلون، بانفجار عبوة ناسفة، وأصيب جنود آخرون من اللواء بعبوة. حادثة ذات مغزى، لم تحظ بالانتباه الكافي، وقعت مساء الخميس، عندما أصيب جندي من الجيش الاسرائيلي بجراح طفيفة في انفجار عبوة ناسفة قرب الجدار جنوب كيسوفيم. ووقع الانفجار بعد بضع ساعات من اجتياز قوة للجيش الاسرائيلي الجدار الى داخل الأراضي الفلسطينية لتفكيك ساحة عبوات.

في هذه المرحلة لم يتضح اذا كان الطرف الفلسطيني قدر بأن النفق انكشف وعليه فقد اختار تفجيره. وفي الجيش الإسرائيلي يعزون حفر النفق لـ "حماس". يبدو أن الانفجار كان محاولة فاشلة لتنفيذ عملية من شأنها أن تحدث قتلاً كبيراً في إسرائيل. ويعكس تواصل الأحداث الأخيرة ما يبدو من الطرف الاسرائيلي كمحاولة مقصودة من "حماس" لإحداث تصعيد. حتى وقت قريب فضلت قيادتها كبح جماح الفصائل الأكثر تطرفا وفي الغالب كادت تتجاهل هجمات سلاح الجو التي قتل فيها أعضاء من هذه الفصائل عند محاولتهم إطلاق الصواريخ على اسرائيل. فهل تقود "حماس" حقا خطوة مخططا لها، فتنخرط في نشاط الفصائل الأصغر ام ببساطة تمتنع عن كبح جماحها؟ الصورة ليست واضحة تماما – وليس مؤكدا أن هذه الاختلافات تشغل بال القيادة الاسرائيلية.

طالما يصاب جنود الجيش الاسرائيلي في نشاط دفاعي من الجانب الاسرائيلي للجدار فان اسرائيل ترى في "حماس"، بصفتها الحاكم في القطاع، مسؤولة عن التصعيد. وفي الخلفية توجد على ما يبدو أيضا انتخابات قيادة "حماس"، في أعقاب اعتزال خالد مشعل، والتي ستجرى قريباً.

في زمن الصراع على الخلافة الداخلية يكون الميل الطبيعي للمشاركين هو تشديد الخط تجاه اسرائيل. وصرح وزير الدفاع ايهود باراك، أول من أمس، ان "الجيش الاسرائيلي رد بشدة على الحدث وسندرس ردود فعل اخرى في الأيام القريبة القادمة". والآن ستبذل جهود سواء من جانب الحكومة المصرية أم من جانب الولايات المتحدة لتهدئة الخواطر. ولكن إذا لم تجد هذه المساعي فان التغيير في الفترة الأخيرة من شأنه ان يؤدي لاحقاً الى صدام أوسع تكون في نهايته حملة برية للجيش الاسرائيلي في القطاع، عشية الانتخابات للكنيست.

عن "هآرتس"