نتنياهو وأوباما: اختبار الشراكة

كانت هذه إحدى المعارك الانتخابية الأشد إثارة. ليس فقط بسبب استطلاعات الرأي المتقاربة والتوتر الشديد، وإنما أساساً بسبب المواضيع التي أثيرت في المعركة الانتخابية، ونجومية إسرائيل في حملات الطرفين وأيضا في المناظرات المثيرة بين أوباما ورومني.

وفي العموم، يبدو أن المكان الوحيد في العالم، عدا الولايات المتحدة، الذي تابع هذه الانتخابات بانشداه كبير واعتبرها مصيرية لمستقبله، ربما بما لا يقل عن مستقبل الدولة التي تجري فيها الانتخابات، كان إسرائيل.

وحسب كل الاستطلاعات، فإن الأغلبية الساحقة من الإسرائيليين تمنت فوز رومني، لكنها نهضت صباح يوم الأربعاء خائبة مع أوباما كرئيس لأربع سنوات أخرى. صحيح أن أوباما حرص طوال حملته الانتخابية على التشديد على التزامه لإسرائيل، ولكن ذلك بدا كوعد انتخابي معدٍ لمنع تسرب أصوات اليهود. وفي اختبار النتيجة لأربع سنوات ولايته أثار تعامله مع إسرائيل غضب ليس الإسرائيليين وحسب، وإنما كذلك الكثير من الأميركيين بل وأعضاء الكونغرس، وهم بأغلبيتهم مؤيدون واضحون لإسرائيل.

ويمكن الافتراض أن نتنياهو، مثل معظم الجمهور، خائب من نتائج الانتخابات الأميركية. فقد رأى نصب عينيه كيف ضاعت هذا الأسبوع فرصة أن يتولى للمرة الأولى منصب رئاسة الحكومة وإلى جانبه رئيس أميركي مريح متوافق معه في المواضيع المدرجة على جدول الأعمال. بكلمات أخرى، بعد ولايتين كرئيس للحكومة مع رئيس ديموقراطي أمل نتنياهو أنه في نهاية المطاف سيحظى برئيس جمهوري. وهذا لم يحدث. بوسع نتنياهو أن يعزي نفسه بأن الكونغرس بقيت أغلبيته جمهورية، وأن الضغوط من جانب الرئيس لتقديم تنازلات إسرائيلية في الموضوع الفلسطيني ستكبح غالباً على أيدي أعضاء الكونغرس المعادين لأوباما.

وعملياً ينتصب أمام نتنياهو خياران: مواصلة العمل مع الرئيس الأميركي، رغم صعوبة ذلك، ومحاولة إبقاء التنسيق معه قدر الإمكان، والمحافظة على كرامته وعدم التصدي له علنا، إلا في حالات نادرة واضطرارية، مثل الطلب بتجميد البناء في القدس أو الدخول في مفاوضات على أساس خطوط 67. والخيار الثاني هو تحطيم الأواني. فللكونغرس، خلافاً للكنيست في إسرائيل، قوة هائلة في تقرير السياسات وتوزيع الموارد. وإذا حاول نتنياهو مجرد التلميح بتخفيض المساعدات الأميركية لإسرائيل، فإن الكونغرس لن ينصاع لضغوطه، وهو قد يقر تحديداً قانوناً لزيادة المبلغ. وإذا حدث ذلك، فلن تكون هذه هي المرة الأولى.

والسوابق ليست مفقودة: في العام 1990 قررت إدارة بوش عدم تمويل خطة تطوير ميناء حيفا، الحيوي للأسطول السادس الأميركي. رفض الكونغرس القرار وحول أموالاً طائلة لتطوير الميناء رغم أنف وغضب الرئيس جورج بوش. وبعد عام من ذلك طلب بوش ثانية، بالمشاركة مع وزير الخارجية بيكر، عدم تحويل مساعدة طارئة لإسرائيل إثر حرب الخليج. حينها أيضاً رفض الكونغرس الطلب. إن سيطرة الكونغرس التي لا تهتزّ على الأموال الأميركية، ومعرفة أوباما لذلك بعد أن عانى من تقليص جوهري في المشاريع الصحية التي بادر بها، ليست صلاحيته الوحيدة. فللكونغرس ما يقول حتى في العلاقات الخارجية والأمن، وأحياناً يقول رأيه بصوت عال وواضح وبخلاف مطلق مع موقف الرئيس. ومن قرر وقف حرب فيتنام كان الكونغرس.

والكونغرس هو من أقرّ أيضاً وقف التدخل الأميركي في أنغولا والصومال، وأيضا من أحبط صفقات سلاح وطائرات مع إيران، مع الأردن ومع السعودية. وهو أيضاً من فرض عقوبات شديدة على نظام التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا، والتي قادت في النهاية إلى انهياره. وفي ولايته الأولى كرئيس للحكومة تعرّض نتنياهو لهجمات بسبب محاولاته الالتفاف على الرئيس، والتوجّه مباشرة للكونغرس، مما اعتبر تدخلاً في الحلبة السياسية الأميركية. وفي ولايته الحالية أيضاً وجهت اتهامات مشابهة لنتنياهو، وبلغت الاتهامات ذروتها في خطابه أمام مجلسي الكونغرس في أيار 2011. ومنطقي الافتراض أن نتنياهو لن يرغب في الذهاب إلى هناك. فالأمر لا ينظر إليه جيداً في الولايات المتحدة. كما أنهم في إسرائيل لا يقدرون ذلك. من ناحية نتنياهو هذا الخيار محفوظ لمواضيع جوهرية حقاً، كالموضوع الإيراني. وخلال سنوات ولايته الأربع أظهر أوباما ضعفاً مذهلاً أمام نظام آيات الله وباقي الدول العربية.

وأميركا أوباما أضعف من أي وقت بشكل يعرضها للخطر هي وحلفاءها وعلى رأسهم إسرائيل. ومن الجائز أن أوباما سيبدي شجاعة في موضوع إحباط المشروع النووي الإيراني في ولايته الثانية. ولكن إذا تبين أن الأمر ليس ضعفاً وإنما فلسفة حياة مقصودة، فإن نتنياهو ببساطة لا يمكنه أن يودع أمن إسرائيل بين يديه. أبو مازن فجأة ولكن قبل أن يفكر نتنياهو في علاقات عمله المستقبلي مع الرئيس الجديد - القديم، عليه أن ينجح في حملته الانتخابية نفسها، والتي غدت أشد تحدياً وأكثر إثارة للاهتمام مع فوز أوباما. وقبل أسبوعين من الإعلان عن وجود المعركة الانتخابية، التقى مصدر من كديما مع رئيس الحكومة السابق إيهود أولمرت. وسأل المصدر حول احتمال عودة أولمرت للحلبة السياسية إثر قرار المحكمة عدم فرض عقوبة فعلية عليه. وحسب المصدر فإن أولمرت رد قائلاً: الأمر يرتبط بالانتخابات الأميركية. إذا فاز رومني - فليس ثمة معنى لفتح صناديق الاقتراع.

نتنياهو سيفوز بولاية أخرى بسهولة. ولكن إذا فاز أوباما فهناك فرصة جيدة لحدوث انقلاب. في هذه الحالة، على الغالب سأدخل إلى الصورة". وحسب المصدر نفسه من كديما، يبدو أولمرت واثقاً بنفسه في الشأن القضائي سواء انتصاره في الاستئناف للمحكمة العليا الذي ستقدمه النيابة العامة في قضية تالينسكي أو بشأن قضية هوليلاند، التي قال عنها إن النيابة العامة باتت تفهم أن الملف تبدد من بين يديها. إن دخول أولمرت للسياسة سيغير من النقيض إلى النقيض الوضع في المعركة الانتخابية، التي لم تتخذ لها بعد جدول أعمال واضحاً ولم تتضح فيها موازين القوى، في الأساس بسبب أن بعض المتنافسين الذين سيشاركون أو لا يشاركون لا يزالون غامضين مع أنفسهم. وفي مطلع الأسبوع، وكتمهيد لفوز أوباما البادي، بدأت الحملة. جدول الأعمال الراهن للانتخابات، حيث يدفع كل حزب باتجاه مختلف - يحيموفيتش نحو القضايا الاقتصادية - الاجتماعية، يائير لبيد نحو القضايا المدنية والعداء للحريديم، كديما موفاز نحو الموضوع الإيراني والأمني - لا يسمح بتوزيع متوازن للخريطة السياسية. ليس هناك يمين ولا يسار. الحملات على الليكود ضعيفة وفي الأساس تعدّ لليوم التالي، الذي سيقف فيه الجميع في طابور لدخول الحكومة المقبلة. من ناحية أولمرت وليفني، اللذين اجتمعا في الأسبوع الفائت خرجا ببلاغ مشترك حول وجوب تغيير الحكم، والموضوع ملزم بالعودة إلى أن يكون سياسياً. وهكذا أخرجوا من القبو أبو مازن، شريك الاثنين في مسعى تغيير الحكم. وكان هذا هجوماً مشتركاً ومخططاً. أبو مازن أعطى مقابلة وقال بطلاوة لسان إنه جاهز للسلام. لكن الجمهور، ما العمل، بقي لا مبالياً.

هناك حدود لما يمكن تكرار أكاذيب رئيس السلطة الفلسطينية والانفعال تجاهها كل مرة من جديد. وبعد يوم أو يومين، عندما ثبت لهم أن القصة لم تترك أثراً، قرر أولمرت وليفني إجراء عملية تنفس اصطناعي. وفي رد استثنائي لوسائل الإعلام حمل أولمرت بشدة على نتنياهو، لأنه تنصل من أقوال أبو مازن. وبعد ساعتين منه خرجت تسيبي ليفني إلى استوديو التلفزيون حاملة رسائل مشابهة. ووفر الدعم للثلاثة شمعون بيريز، الذي ينفي لكنه يبدو تواقاً بنفسه للقفز عائداً إلى البركة السياسية إذا كان قادراً. ويمكن التقدير أنه سوف ينضم الآن إلى المعركة لاعب إضافي - الرئيس المنتخب أوباما. وللبيت الأبيض تاريخ معروف من التدخل في السياسة الإسرائيلية. في نهاية الأسبوع حاول أولمرت، المقيم في الولايات المتحدة، بكل قوته الوصول إلى أوباما لالتقاط صورة مشتركة معه قبل أن يعود إلى هنا. ويبدو أنه لم تكن للرئيس الأميركي مشكلة لتسليم نفسه لرئيس الحكومة السابق لتحقيق هدف مشترك. وستكون رسالة أولمرت، ليفني أو بيريز واضحة: نتنياهو تدخل في الانتخابات الأميركية لمصلحة المرشح الخاسر وبذلك خلق أزمة استراتيجية في العلاقات مع الولايات المتحدة وفي مكانة إسرائيل. وبالمقابل فإن أولمرت/ ليفني/ بيريز سيرممون هذه العلاقات ويعيدون المسار السياسي إلى رأس سلم الأولويات.

غير أن ما يعيقهم ويمكن أن يعرقل جهودهم يكمن أساساً في مكانتهم الشعبية المتردية. فقد أظهرت كل استطلاعات الرأي، وبينها الاستطلاع الذي أجري أثناء بث التحقيق عن إيران في برنامج "عوفداه"، ووفر منبرا واسعا جدا لأولمرت، وعرضه كزعيم متزن ومسؤول لم يسبق له مثيل، ينال أولمرت وليفني، كل واحد على حدة وكلاهما معا، 12 مقعداً على أبعد مدى، معظمها إن لم يكن جميعها من معسكر اليسار. هذا ليس انقلابا. إنه بالكاد انتفاخ. ونتنياهو من جانبه مستعد لهذا السيناريو، الذي يفوز فيه أوباما. والخطاب الذي بلوره مع مستشاريه ورجال حملة الليكود الانتخابية كرد على الهجوم بسيط: 1. العلاقات الأمنية الاستراتيجية بين إسرائيل نتنياهو وأميركا أوباما لم تتضرر، بل تعززت. 2. في المواضيع السياسية كان هناك ولا يزال خلاف لكنه بين أصدقاء. 3. كل رئيس، بغض النظر عن حزبه، يقر بحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها عندما تحشر في الزاوية ويتعرض وجودها للخطر، وسيسمح لها بالعمل وفقاً لإرادتها. بيريز يتلذذ وينكر لقد بث فوز أوباما روح الحياة أيضا في حملة إيهود باراك الانتخابية. وسيشرحون في حزب الاستقلال أنه إذا أعيد انتخاب نتنياهو فإنه يحتاج باراك إلى جانبه ليس فقط كوزير للدفاع وإنما أيضا كوزير خاص للخارجية لشؤون أميركا، كما كان في الولاية السابقة.

ويوم الأحد سيصل المستشار الاستراتيجي لليكود وإسرائيل بيتنا، آرثر فينكلشتاين، للقاء مشترك أول لطاقم الانتخابات. ويصل فينكلشتاين بشعور خيبة كبير بعد أن خابت توقعاته بفوز رومني. وسوف يحاول إصلاح ذلك في الشهور القريبة في حملة الليكود بيتنا. والليكود لم يقرر بعد أي نوع حملة انتخابية سيدير. كما ليس واضحاً بعد من هو الخصم إن كان موجوداً، ولم تتقرر الرسائل. ويفترض أن تبدأ الصورة في الجلاء ابتداء من يوم الأحد. وحتى الآن فإن القرار الذي قد يتغير هو تجاهل التوقعات بشأن عودة أولمرت أو ليفني والتمسك بتقدير أن عودتهما لن تزيد أو تنقص شيئاً لناحية فرص نتنياهو بأربع سنوات أخرى رئيساً للحكومة.

والمشكلة المركزية عند نتنياهو ليست أولمرت ولا ليفني: وإنما بيريز. شمعون بيريز هو الأب الروحي لكل من يحاولون تغيير الحكم. وهم يلتقون معه ويتشاورون. ويقنعونه بالتنافس. يقنعونه بإقناع آخرين للتنافس. ولا يعني ذلك أن هناك مبررات. من مكانته كرئيس في سن 89 يتدخل بيريز في السياسة كما في أيام المعراخ السعيدة. وهو يتلذذ بكل لحظة. ويجري معه رامون، أولمرت، ليفني وآخرون حوارات يومية مطولة. ولا ريب في أنه إذا اضطر بيريز لتفعيل فكره وتقرير لمن سيوكل تكليف الحكومة، فإن نتنياهو سيكون في نهاية القائمة. من هنا جاء الاتحاد مع ليبرمان.

فهم نتنياهو أنه من أجل عبور بيريز عليه أن يكون رئيس الحزب الأكبر. لقد أنكر بيريز هذا الأسبوع نيته العودة للحلبة السياسية وترؤس معسكر اليسار. لكن الإبحار في الماضي يكشف أقوالاً مشابهة لبيريز. بيريز أبداً لا يطمح للمناصب. دوماً يضطر لقبولها. دوماً يخضع لضغوط الجمهور الذي يحثه. العام 1997 لم يرغب في ترؤس حزب العمل. نسيم زفيلي هو من فرض الرئاسة عليه. في العام 2000 لم يرغب في رئاسة الدولة، لكن ماذا يعمل بعد أن سجل رفاقه اسمه مرشحاً ضد رغبته. ورجاهم بيريز العام 2003 أن لا يكون رئيساً مؤقتاً للحزب، لكنهم فرضوا الأمر عليه. في 2007 فعلوها مرة أخرى، وكانوا أعضاء كديما، وأجبروه على التنافس للرئاسة.

ماتي توخفيلد

إسرائيل اليوم 9-11-2012