الإدارة الامريكية وعباس

'لا يرحمون ولا يدَعون رحمة ربنا تنزل'!! ... هكذا تبدو بالضبط إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما في تعاملها مع القيادة الفلسطينية. لا تكتفي هذه الإدارة بأنها لا تفعل شيئا لدفع مسار تسوية وصل إلى نهاية نفق مسدود، ولا هي تكترث كثيرا بما تفعله إسرائيل على الأرض لجعل حل الدولتين أمرا مستحيلا، وإنما تزيد على كل ذلك فتوقف مساعداتها المالية للسلطة الوطنية منذ نحو عام وتعارض بشدة توجهها إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة لرفع مكانة فلسطين إلى 'دولة غير عضو' على حدود عام 1967 وتهددها بالمزيد من العقوبات إن هي فعلت.

الأمريكيون، كما الإسرائيليون، يرون في هذا التمشي الفلسطيني 'خطوة أحادية الجانب' ولا يرون نفس الشيء في ما يفعله الإحتلال بالأرض الفلسطينية ولا بتوجهه لنزع حتى 'صفة الأراضي المتنازع عليها' عنها. وإذا ما صادف أن أنكرت واشنطن على إسرائيل بعض ما تفعله، فهي غالبا ما تقوم بذلك على استحياء شديد.

في المقابل تكرر إدارة أوباما ، ومن سبقها، بأن لا حل إلا عبر المفاوضات وبتراضي الطرفين المعنيين لكنها لا تفعل شيئا لوقف الإنحدار بهذه المفاوضات نحو قاع لا قرار له من التسويف والتكاذب الدائمين. محمود عباس لم يذهب بملف رفع مستوى تمثيل بلاده إلى مرشد الثورة الإيرانية أو رئيس كوريا الشمالية أو رئيس فنزويلا ممن لا تطيق لهم واشنطن ذكرا، وإنما إلى الهيئة الدولية التي ارتضتها كل دول العالم ساحة احتكام لحل الخلافات. لا يعتزم عباس الطلب من المجتمع الدولي نزع الشرعية عن إسرائيل أو فرض عقوبات عليها أو منح مباركته لخوض حرب شعبية ضدها.

ذهب فقط ليطلب الحد الأدنى المعنوي ضمن الحد الأدنى السياسي المتاح لتسوية متوازنة ليست بالضرورة عادلة. أين المشكل بالنسبة إلى واشنطن في هكذا تحرك؟! أية إساءة يمكن أن تلحق بها أو بحليفتها المدللة عدا ترك الخصم فرصة الاستمتاع بما يراه مكسبا قد لا يقدم أو يؤخر كثيرا في ملف مستعص منذ سنوات طويلة. أية حكمة في التضييق المتصاعد على هذا الخصم فلا يرضيك فقط ضربه بل تمنعه من البكاء ويسيئك أن يلجأ إلى من يستمع إلى شكواه المريرة ؟!! لم تلتقط إدارة أوباما قول الرئيس محمود عباس إنه مستعد لاستئناف المفاوضات مع الإسرائيليين في اليوم الموالي مباشرة لرفع مستوى التمثيل الفلسطيني في الأمم المتحدة، متنازلا ضمنا عن شرطه السابق بضرورة الوقف الكامل للاستيطان في الضفة الغربية المحتلة.

لم تر في استجابته أخيرا لدعواتها السابقة المتكررة في هذا المجال ما يستدعي الاهتمام ناهيك عن الإشادة. لم تنظر سوى إلى ضرورة إحباط مسعى سيحظى باهتمام دولي في اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني في التاسع والعشرين من نوفمبر- تشرين الثاني الحالي بما سيذكر العالم بأسره بأن إسرائيل دولة استعمارية متمردة على القانون الدولي ومستهترة به. لم تبد واشنطن كذلك أي اهتمام بمراعاة وضع عباس كصديق وحليف ومضت قدما في إحراجه بل وفي إهانته.

لم تقدر وضعه الصعب من أن مرونته الكبيرة سببت له من المتاعب والإتهامات الكثير دون أن يظفر بشيء. لم تقدر كذلك ما قاله عباس من أنه آخر رئيس فلسطيني يريد دولة فلسطينية بالمفاوضات وتسوية بلا عنف تحقق للأجيال القادمة من أبناء الشعبين أجواء إنسانية طبيعية بعيدا عن هول الحروب. إصرار عباس على التوجه إلى الأمم المتحدة هذا الشهر، رغم كل الضغوطات والتهديدات، يستحق التحية بلا جدال. لم يعد لدى الرجل ما يخسره، ولم يعد متاحا للأسف في هذه الظروف الفلسطينية والعربية والدولية أكثر من هذه الترضيات المعنوية على الساحة الدولية. أما واشنطن فقد انكشف للمرة الألف أنها غير جادة في فعل أي شيء سواء أحبت القيادة الفلسطينية أو كانت لها من الكارهين.

الأمران سيان