الحرب في غزة تدخل "مرحلة حرجة"

بقلم: اليكس فيشمان

صاروخا فجر 5، اللذان أطلقتهما حركة الجهاد الاسلامي على تل أبيب، أطلقا من مخابئ في قلب منطقة مأهولة جنوب مدينة غزة. كانت هذه المخابئ معروفة في اسرائيل، ولكن معالجتها تأجلت الى مرحلة لاحقة منعاً لإصابة السكان المدنيين في موجة الهجوم الأولى. سرعت النار نحو تل أبيب الانتقال في مراحل العمل التي أعدها الجيش الاسرائيلي، ووجه وزير الدفاع الجيش لتوسيع حجم وطبيعة الاهداف التي ستتعرض للهجوم منذ المرحلة الحالية، الجوية. المعنى هو أنه أضيف الى بنك الاهداف أيضا مخابئ الصواريخ الموجودة في المناطق المأهولة.

ويدور الحديث عن عدة عشرات من المخابئ، ولا سيما لصواريخ غراد التي تصل إلى مسافة 40كم. وهذا هو السبب الذي انطلق خلاله نداء الى السكان المدنيين في القطاع لترك الاماكن المرشحة للاضطرابات. يتضمن توسيع الأهداف أيضا ضرب أهداف سلطوية، وليس فقط عسكرية. كما أن قائمة المرشحين للاغتيال المركز عدلت ووسعت، ولن نفاجأ اذا ما ظهرت فيها أيضا اسماء شخصيات سياسية. النار التي انطلقت، أول من أمس، من سفينة سلاح البحرية نحو منزل رئيس وزراء "حماس" في غزة، اسماعيل هنية، لم تكن صدفة.

كما أن عدم إصابة البيت لم تكن صدفة هي الأخرى. هذه كانت إشارة. اليوم الثالث لحملة "عامود السحاب" شهد تصعيدا للقتال في قطاع غزة، وموجات الصدى تنطلق من غزة الى مصر، الأردن، والضفة. هذه تطورات من شأنها أن تحدث مصاعب لإسرائيل على المستوى السياسي – الأمني منذ هذه المرحلة. الرد الأولي لـ "حماس" على تصفية أحمد الجعبري وعلى ضرب الصواريخ بعيدة المدى لديهم كانت الصدمة والتشويش. وفي اسرائيل لاحظوا ظاهرة اليأس الشديد في أوساط القيادة في غزة. وكان لدى "حماس" إحساس بأن المصريين، الاسرائيليين – أو الطرفين معا – خدعاهم، وذلك لأنه في اليوم الذي سبق الهجوم الاسرائيلي ترك المصريون لديهم انطباعا بان اسرائيل وافقت على وقف اطلاق النار. أما الان فقد باتت "حماس" أكثر تشككا قبل الموافقة على مبادرة مصرية لوقف النار.

وابل النيران التي انطلقت من غزة اطلقت حسب خطة اعدت مسبقا لحالة الطوارئ. لم تكن ثمة أوامر محددة لوحدات الصواريخ في الميدان، ولم تكن يد مركزية موجهة. كمية النار التي أنتجتها وحدات إطلاق الصواريخ هذه كانت أصغر بكثير من القدرة. ففي غزة يوجد اليوم أكثر من 10 آلاف صاروخ، منها أكثر من 2000 بمدى يصل حتى 40كم. وتيرة النار حتى عصر أول من أمس، كانت متدنية نسبيا سواء نتيجة للضربة الشديدة أم لقرار يقضي بمحاولة التحكم بمستوى اللهيب. مساء أول من أمس، بدأت الصورة تتغير. فقد جمعت "حماس" نفسها، فعّلت منظومات التحكم البديلة، وزعت القيادات في أماكن مختلفة، وبدأت تجري مداولات في أساسها يكمن استمرار المقاومة، مع غمزة نحو صورة لإنهاء القتال. تبحث "حماس" الآن بكل قوة عن صورة نصر ترمز الى نهاية المعركة التي فرضتها عليها إسرائيل.

وعليه فمن الآن فصاعدا فانها تستخدم كل ما لديها: محاولة لضرب الطائرات، الدبابات، النار نحو غوش دان وحشد الجهود في شكل نار كثيفة على بلدات معينة. قبل شهر تقريباً أطلقوا صاروخ كتف من طراز "ستريلا" نحو طائرات اسرائيلية، وأول من أمس اعلنوا اسقاط طائرة من دون طيار. وهم يريدون صورة. إن لم تكن طائرة أسقطت، أو تل أبيب المقصوفة، فإن "حماس" تريد أن يرى الناس عندها في البيت انهيار مبانٍ في إسرائيل مع كثير من القتلى. هذه هي مرحلة حرجة من ناحية اسرائيل، وذلك لأن هذا الجهد من جانب "حماس" للوصول الى صورة انتصار- تستمر حتى السبت على الاقل – يضع رباطة جأش الجبهة الداخلية والقيادة السياسية الاسرائيلية في اختبار أعلى. بالمقابل تلوح اسرائيل الآن بسوط الخطوة البرية التي لا ترغب هي ولا "حماس" فيها. وصادق وزير الدفاع على تجنيد 30 ألف من رجال الاحتياط. جُند المئات منذ الان لصالح قيادة الجبهة الداخلية وتعبئة الشواغر. وبين المجندين يوجد اولئك الضباط الذين يشاركون في الوحدات البرية المختصة للعناية بالسكان المدنيين المحتلين. وأمام قطاع غزة الان قوة برية آخذة في الانتظام بحجم فرقتين: فرقة غزة وفرقة نظامية اخرى. كل هذه القوات تدربت، قبل بضعة اسابيع، على الدخول الى قطاع غزة.

وفي هذه الاثناء تبدأ حملة "عامود السحاب" الخروج من حدود قطاع غزة وتحريك تطورات غير مرغوب فيها لاسرائيل في الدول المجاورة: فقد عزز الجيش المصري في اليومين الأخيرين قواته على طول الحدود الإسرائيلية لمنع انتقال العمليات الانتحارية من سيناء إلى اسرائيل. وذلك لان القتال في القطاع أيقظ المحافل الأصولية للقيام بجهد مركز لتنفيذ نشاط ارهابي من سيناء. وأعلن زعيم "الاخوان المسلمين" في مصر عن يوم غضب لكل "الاخوان المسلمين" في المنطقة، والمعنى الفوري قد يكون اضطرابات في الحرم تشعل النار في بؤر اخرى في الضفة. كقاعدة، يتعرض الرئيس المصري مرسي لضغط من الأميركيين والأوروبيين، الذين يطالبونه باقناع "حماس" بانهاء هذه الجولة، وهذا هو السبب الذي جعل رئيس وزراء مصر يصل في زيارة غير مسبوقة الى القطاع.

طلب المصريون من إسرائيل تهدئة بوصول رئيس الوزراء، والذي يعني أنه في زمن بقائه في غزة فان الطرفين ملزمان بالحفاظ على وقف النار، الامر الذي من شأنه أن يشكل لاحقا مدخلا لبداية اتفاق على التهدئة. ثمة ساحة اخرى تغلي هي الأردن، حيث كانت فيها في الايام الاخيرة تظاهرة كبرى ضد الملك. ومع ان هذه كانت مظاهرات ضد اسعار الوقود، ولكن وقف خلفها "الاخوان المسلمون". يوم غضب "الاخوان المسلمين" واستمرار القتال الاسرائيلي في القطاع هما وقود لاضطرابات في الاردن، من شأنها ان تنتقل الى الضفة. ولن نفاجأ اذا ما اضطر الملك الاردني الى إعادة سفيره من اسرائيل، مثلما فعل المصريون. وإذا لم يكن هذا بكافٍ، فان رئيس وزراء تركيا اردوغان سيهبط في مصر غداً السبت. ومن غير المستبعد أن يسعى الى زيارة قطاع غزة هو الآخر، مثلما خطط في الماضي. فماذا ستفعل إسرائيل إذا ما حصل هذا؟ هل ستوقف الحملة؟ احتمال أن توافق اسرائيل على مبادرة مصرية لوقف القتال في اليومين القريبين ليس عاليا. بالعكس. فابتداء من أول من امس في ساعات المساء الاتجاه هو نحو التصعيد. يبدو أن هذه المواجهة توجد فقط في الثلث الأول من الطريق.

عن "يديعوت"