الغزيون ..وأجواءُ الحرب

سناء كمال- زمن برس

غزة: يعيش الغزيون ليالي قصف ، هي الأعنف منذ بدء التصعيد الإسرائيلي على قطاع غزة، هدير الطائرات لا تفارق آذانهم، ولا تمر دقيقة واحدة بدون سقوط صواريخ من الطائرات الحربية الإسرائيلية، مخلفة ورائها انفجارات عنيفة تكاد تقلع أسقف المنازل من شدتها، وتشقق الأرض من الاهتزازات التي ترافقها.

وكانت حالة من الهلع والخوف سيطرت على السكان، خاصة بعد التهديدات والتوعدات التي كان يطلقها قادة العدو، لدرجة أنهم صوروا للمدنيين بأن القادم أسوء مما كان في عملية الرصاص المصبوب عام 2008، وكان يريد قادة الاحتلال الإسرائيلي وفي مقدمتهم بنيامين نتنياهو الذي يهدف من وراء تصعيده حصد أكبر عدد من أصوات الناخبين، أن يصعد ضد القطاع عسكريا ويبدأه بالهزيمة النفسية لأهالي غزة.

غير أن الأيام أثبتت عكس ذلك، فيبدو ان الغزيين اليوم أكثر تحكما بمشاعرهم وأكثر دراية بأمور التصعيد، فما كان يقلقهم بالماضي لم يعد موجودا الآن، وخاصة في لحظات القصف،حيث يلزم المواطنون منازلهم ولا يخرجون منها، حتى ولو كان من باب الفضول، أو محاولة المساعدة للمصابين إن كانوا هنالك، أو ليشاهدوا مواقع القصف وذلك تحسبا من إيقاع أكبر عدد من الضحايا في صفوف المدنيين.

وكانت تقصف الطائرات الحربية أراضي زراعية خالية من السكان، علها تقضي على الصواريخ التي تنطلق منها بدون أن تجد لها صيدا ثمينا من المقاومين لتقضي عليهم، ومع ذلك تستمر الصواريخ بالخروج من مخابئها، وتتجه للبلدات الإسرائيلية لتوقع أكبر قدر من الأضرار المادية وأكبر عدد من الهلع والخوف في صفوف الصهاينة.

تلك الصواريخ التي تتساقط على الأراضي الخالية من السكان، قبل أن تسقط تهدر بصوت كبير تشعر المدنيين بأنها تستهدفهم، ويشعرون بأنه مليء بالحقد والغدر، وأن هدفه إرعابهم وحصد أكبر عدد من الضحايا المدنيين والأطفال والنساء والشيوخ.

وفي محاولة لتناسي هذا الوضع يتجمع الجيران مع بعضهم البعض في الساعات الأولى من الليل يستمعون للأخبار، ويتبادلوا الحاديث حول آخر المستجدات على الساحة الغزية والإسرائيلية التي يبدو أنها تعيش توترا لم تشهده الأراضي الفلسطينية قبل ذلك سوى في عهد الرئيس العراقي السابق صدام حسين، حيث تذكروه مع سقوط أول صاروخ على تل أبيب، مما زادهم ثقة بمقاومتهم التي تمدهم بالقوة يوما بعد يوم في ظل استهدافها لما كانوا يحلمون به ولا يرونه. من جانبهن تحاول الأمهات أن تخففن عن أبنائهن دقائق الخوف والرعب، يقمن بجمع أبنائهن في المكان الأكثر أمانا في المنزل بعيدا عن النوافذ التي قد تتطاير مع شدة الانفجارات، ويحاولن أن يسردن لهم قصص قد تمنحهم القوة والأمان.

أم محمد العرمي (36 ) أم لأربعة أطفال، تؤكد أن الليلة السابقة كانت الأسوء لها ولأبنائها رغم أنها في الليالي الفائتة أمضتها بخير على أطفالها، فهي تحاول أن تلهيهم بتحضير الحلويات التي يحبونها علهم ينسون ما تمر به المنطقة من حرب ودمار، وتبعدهم عن شاشات التلفاز حتى لا ينصدموا ويشعروا بالخوف من المناظر التي تعرض عن الأطفال الذين استشهدوا في العدوان.

وتقول أم محمد :" أنا أعلم أننا في حالة ولكنني أحاول أن أبعدها عن أطفالي، فهم ما زالوا أطفال لأتركهم يعيشون هذه اللحظات التي ربما تؤثر على نفسيتهم، لسنوات طويلة، ويحتاجون فيما بعد لأطباء نفسيين من أجل إعادة ثقتهم بأنفسهم".

وتتابع:" عندما سمعت في التصعيد أول ما أعلنت عنه دولة الاحتلال خفت كثيرا، أن يطال أبنائي أي أذى وصليت لله كي يحمي أطفال وجميع الأطفال، غير أن الأيام هذه أثبتت العكس فمع مرور كل يوم أشعر بأنه التصعيد سوف ينتهي بين لحظة وأخرى، وأننا سنكون بخير، وأن الأيام ستمضي بأقل الخسائر، رغم الانفجارات الكبيرة التي نسمعها".

ولم تمنع الطائرات الطفل محمد الصيرفي من اللعب في ساحة منزله المظللة، فهو ما زال يمارس هوايته اللعب بالكرة ولكن مع تغيير بسيط، وهو الابتعاد عن الأماكن المفتوحة، تحسبا من قصف إسرائيلي غادر له ولإخوته الآخرين.

ويقول محمد وهو كله ثقة:" بابا قلي أنه اليهود بخافوا منا ما بخوفونا، وبعدين في صواريخ كتير بتطلع من عنا مش من عندهم، وانا بعرفها لما يكون من عنا بضل ألعب بس لما يكون من الطيارة بحاول إني أخذ حذري منه".

ولمواقع التواصل الاجتماعي (فايس بوك) حكاية أخرى حيث يتبادل روادها من أهالي القطاع بين تناقل آخر الأخبار والتسابق في نقلها من مصادرها كل حسب سكنه وعمله، وبين إطلاق النكات التي تستخف بالهجمة الإسرائيلية "الفاشلة" وخاصة في ظل ظهور بوادر فشلها حيث يقول محمد النخالة على صفحته :" الاحتلال: غزة تقصفنا بالفسفور الأبيض المحرم دوليا! أبشروا النووي جاي على الطريق إن شاء الله".

ويعقب عليها أصدقائه في الصفحة بالضحك وإطلاق ردود السخرية من إسرائيل ومن حماقتها في عدم قدرتها بالرد على المقاومة، وابتكار الأخيرة لتكتيكات جديدة قللت كثيرا من الخسائر البشرية.

أما الصحفية ريتا إسحق فكانت طوال الليل تحاول أن تتناسى القصف بالسخرية منها بالقول :" هاي قوية كتير القصف"، "أوووووووووو هيك كتير ".

وما زالت طائرات تخطط في سماء القطاع بأشكال علها تنجح هذه المرة في التلاعب بنفسية المواطنين كما كانت تفعل بعدوانها الأخير بأنها حرب لا نهاية لها، وأنها ستكون ضارية وقاسية، ناهيك عن إلقائها المناشير في المناطق الشمالية من القطاع تحذر المواطنين من التصعيد ضدهم

___

ع ن