"الحمض النووي" لحزب الله.. هكذا تغتال إسرائيل قياداته عبر تتبّعهم

زمن برس، فلسطين: لم يكن اغتيال رئيس أركان حزب الله اللبناني هيثم علي الطبطبائي، قبل أيام، وليد اللحظة، ولكنه "تتويج" لعقود من مراقبته يتقدّم في المناصب، بحسب تقارير عبرية، حتى رأت الجهات الإسرائيلية أن الوقت قد حان مستغلة فرصة سانحة. أحد هذه التقارير نُشر في صحيفة "يديعوت أحرونوت" اليوم الجمعة، ويحمل تفاصيل تتجاوز عملية الاغتيال العينية إلى شخصيات وقيادات أخرى في حزب الله وردت على لسان المقدّم (ي)، كما رمزت إليه الصحيفة، وهو رئيس فرع يتابع الجبهة اللبنانية في قسم الأبحاث التابع لشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان).
قد تكون التفاصيل صحيحة بالكامل، أو بشكل جزئي، أو مبالغاً فيها، وربما تهدف في جزء منها لزرع الشك في صفوف حزب الله، وتوجيه رسائل له بأنه تحت المجهر من كثب، لكن أياً كان هدف المعلومات، فإنه معها ومن دونها، أكدت عملية اغتيال الطبطبائي أن حزب الله لا يزال مخترقاً ومراقباً عن قرب من قبل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الإسرائيلية.
بحسب المسؤول الأمني الإسرائيلي، جرت مراقبة مسيرة الطبطبائي على مدار ثلاثة عقود تقريباً، بحيث كان من يتولون ملف تتبّعه عندما تولّى قيادة وحدة "الرضوان" وعندما قاد التنسيق مع المحور الإيراني، وكذلك عندما عُيّن رئيساً لأركان حزب الله. وعندما توافرت الفرصة العملياتية، كانت توصيتهم واضحة، وهي استغلالها وتنفيذ العملية. ويتحدث (ي) للصحيفة أيضاً عن "الحمض النووي" الذي يساعد إسرائيل في تحديد هوية القادة المقبلين ومراقبتهم خلال تدرجهم في المناصب.
"كان هيثم علي الطبطبائي إحدى الشخصيات البارزة التي بقيت في حزب الله. فقد قاد عملية إعادة بناء التنظيم منذ بدء (اتفاق) وقف إطلاق النار، وعمل مع إيران لجلب المزيد من الوسائل والقدرات (العسكرية)، وأعاد ربط البنية التنظيمية لحزب الله"، بحسب ما يدعيه المقدّم. وأضاف أن "رئيس أركان حزب الله الذي تمت تصفيته نشأ في مناصب ميدانية داخل التنظيم، وكان له دور بارز جداً أيضاً في المناصب القيادية. من بين مهامه أنه قاد وحدة الرضوان ووحدات أخرى تعاملت مع علاقات حزب الله مع أطراف المحور المختلفة في إيران وسورية والعراق واليمن. وعلى مدار 30 عاماً، كان الطبطبائي شخصية محورية جداً".
أفضل توقيت
راقبت شعبة الأبحاث الطبطبائي سنوات طويلة، لكنها كانت متابعة روتينية، عندما يتعلق الأمر بشخصية بارزة في حزب الله. وبحسب المقدّم (ي)، منذ تعيينه رئيساً لأركان التنظيم، "ارتفع مستوى الاهتمام به بشكل كبير"، خاصة مع ارتفاع مكانته قائداً مبادراً وهجومياً، "يميل جداً إلى استخدام القوة. وحصل على مواقع عززت مكانته، وكان بارزاً جداً في منتدى متخذي القرارات في حزب الله". وعندما "رُصدت فرصة عملياتية فريدة" لاغتياله، صدرت توصية بتنفيذها.
تحديد الخلفاء
بعد كل عملية اغتيال لقائد في حزب الله، يحدد الفرع الذي يعمل به (ي) "البدلاء المحتملين لخلافته"، ويقوم بتوصيفهم، ويعرض أمام متخذي القرارات ما هي خططهم المحتملة. ويضيف المقدّم: "رأينا ذلك أيضاً في عملية التتبّع الطويلة لسنوات خلف نصر الله. طوال فترة ولايته، كنا نحدد باستمرار الورثة المحتملين. الهدف دائماً هو التعرّف على من لديه الإمكانية، والدفع نحو إحباط من يشكل تهديداً". وهكذا، منذ تصفية الطبطبائي، حددت الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية عدة مرشحين محتملين في حزب الله ليخلفوه في منصب رئيس الأركان. ويقول المسؤول الإسرائيلي: "نحن نحدد أيضاً الحاجة إلى استمرار عمليات اغتيال ضد أهداف يمكن أن تعمل على خرق الاتفاق، وتعزيز نفسها، ودفع حزب الله إلى أماكن غير جيدة بالنسبة لنا. ونتعامل أيضاً مع ما سيحدث في اليوم التالي".
يوضح (ي) أن الفرع الذي يقوده، المسؤول عن دراسة منظومات القوة في حزب الله، يتابع ما يجري في الساحة اللبنانية منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. وعلى مدى العقود الأخيرة، سواء في أوقات الهدوء أو في زمن الحرب، ينشغل الفرع في بحث عسكري حول حزب الله، من قبيل شكل التنظيم، ومن هم قادته، وما هي خططه لبناء قوته، وصولاً إلى كيفية تشغيل هذه القوة. وبحسب قوله: "لدينا اليوم قدرة جيدة جداً على رسم خريطة القيادة العليا لحزب الله. نحن نراقب الأشخاص وكذلك العمليات داخل التنظيم".
يشير المقدّم (ي) إلى خبرة ومعرفة إسرائيلية تراكمتا على مدى سنوات طويلة، تعتبران أن "تنظيم حزب الله يستند إلى أسس دينية. هناك أفكار وأجندات تطورت على مدار سنوات، ولذلك فإن جميع قادته الكبار يمتلكون تقريباً الحمض النووي نفسه". وبناءً على ذلك، يشرح أنه "من غير المتوقّع حدوث تغيير في الأيديولوجية القتالية قريباً".
في غضون ذلك، يحرص العاملون في شعبة الاستخبارات العسكرية على تطوير قدراتهم باستمرار عبر السنوات، ويتعاملون مع تحديات كثيرة في الساحة اللبنانية، التي ترى دولة الاحتلال أنها تتغير بشكل متواصل منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023. وبحسب المقدّم الإسرائيلي: "قطعنا شوطاً طويلاً، ونحن نتعلّم من الإخفاقات كما من النجاحات. التحدي أمامنا هو تقديم صورة دقيقة وتوصيل أفضل صورة ممكنة للمستوى السياسي، مع خلق وضوح حول أفعال حزب الله وليس فقط حول نياته، وكيف يستعد لأيام القتال، وكيف تتعاظم قوّته، وما الذي يرغب في فعله".




