الثورة الفلسطينية ... والثورة العربية المضادة!!

بقلم: 

عندما ننظر في شأن العلاقة الفلسطينية - العربية، نجد ان هذه العلاقة ذات وجهين، احدهما تلقائي، والذي يتمثل في الرابط الثقافي بين ابناء الامة الواحدة.

فمن خلال المفهوم القومي، تكون فلسطين جزءا من الوطن العربي، ويكون الفلسطينيون، الى جانب الشعوب العربية الاخرى جزءا من الامة العربية، وما يجري على الكل في المستقبل المأمول، كما هو مفترض، يجري على الجزء. والمفهوم القومي الذي نطرحه هنا، ذو محتوى ثقافي حضاري لا علاقة له بالعنصرية والاصول العرقية.

عندما عجزت الشعوب العربية، لعوامل ذاتية وبتأثيرات خارجية، عن تجسيد الرؤية القومية بالوحدة العربية، انشغلت هذه الشعوب في تنظيم العلاقة فيما بينها في اشكال مغايرة، وكان الشعب الفلسطيني هو الاكثر حاجة لتنظيم هذه العلاقة بسبب تعرضه للهجوم الصهيوني المركز والمتواصل. لذلك اصبح يشكل حالة متفردة، ولا نقول شاذة بين الشعوب العربية.

وبسبب المبالغة في تعزيز الهوية الوطنية بحس قبلي لكل منها، مالت الشعوب الى التباعد فيما بينها، فاصبح هناك السوداني، والعراقي، والمصري والمغربي. ووصل التباعد الى حد ان لكل منهم شأن يعنيه، بل الى تباعد اكثر فحشا من ذلك بإشهار السلاح في وجه بعضهم البعض، في حروب غير مجيدة.

رغم استبداد الحكام العرب، وعنفهم ضد شعوبهم او ضد بعضهم لبعض، الا ان احدا منهم لم يجرؤ على الاعلان عن انفصام العلاقة بين شعبه وبين الشعب الفلسطيني، حتى وهو يسدد سلاحه الى صدور الفلسطينيين، ولكن دون مجاهرة ومتخفيا خلف دوافع مفتعلة، لان القضية الفلسطينية هي التي حددت للامة العربية، في تاريخها المعاصر، معنى انتصارها او هزيمتها، ومبرر كينونتها او اندثارها، بعد ان تعطل ترابطها التاريخي بماضيها على امتداد خمسة قرون كانت فيها مجرد اقاليم في الامبراطورية العثمانية، وبعثرتها اثر انهيار هذه الامبراطورية.

مع بدء الغزو الصهيوني لاستيطان فلسطين، والاستيلاء على ارضها، واقامة اسرائيل عليها، اصيب الفلسطينيون ومن حولهم العرب بالارتباك.

وعندما نذكر العرب هنا، علينا ان نميز بين عربين، عرب الحكم، والشعوب العربية. ومع ان الارتباك حالة عامة طغت على الجميع، الا انه كان لكل طرف ما يربكه، فالحكام لهم ما يربكهم، ولعامة الشعوب العربية ما يربكها.

في البداية، اتجه الحكام العرب بدرجات متفاوتة الى تضليل الشعوب العربية، من خلال التصريحات والبيانات، بأن هناك وحدة حال بينهم وبين شعوبهم في موقفهم من الحركة الصهيونية ومشروعها الاستيطاني، ولكن النكبة، وقبول الحكام العرب الامر الواقع، والاقلاع عن الاتجاه ثانية للحرب، ادخل العرب حكاما ومحكومين، في حالة ارتباك، مع الاستمرار في العزف على الوتر الفلسطيني في كل الاحوال.

لمزيد من الايضاح، سنتناول الثورة، والثورة المضادة، في مرحلتين متتابعتين. حيث تبدأ المرحلة الاولى مع بدء الاحتلال البريطاني الفلسطيني، بدخول القائد البريطاني الجنرال اللنبي الى القدس في ١٩١٧/١٢/١١، وحتى انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين في ١٩٤٨/٥/١٥ .

هذه الفترة ، التي كانت تعمل فيها بريطانيا على تحقيق التزامها بإقامة دولة يهودية في فلسطين على حساب الشعب العربي المالك الحقيقي الفلسطيني والمقيم الفعلي على ارضها.

وتمثل المأزق الفلسطيني في تلك المرحلة، في ان الجوار العربي الذي كان من المنتظر ان يوفر وسائل المقاومة للفلسطينيين، كان متحالفا مع بريطانيا، التي كان في امكانها تثبيت الحكام او خلعهم.

لذلك ترك الفلسطينيون وشأنهم من قبل الاشقاء، وانتهت ثوراتهم من ١٩٢٠-١٩٣٩، الى انهاكهم على كافة الصعد السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية. ويمكننا ان نصنف الثورة العربية المضادة في تلك المرحلة بأنها انعزالية وغير مباشرة.

اما المرحلة التالية من الثورة العربية المضادة، فقد بدأت في ١٩٤٨/٥/١، وما زالت فصولها تتتابع الى يوم غير معلوم فلها شأن مختلف.

قامت هذه المرحلة على قاعدتين فاسدتين اصابتا الحياة السياسية العربية بالعطب، وهما «الاستبداد» داخل الاقطار العربية، و«الانعزالية» في علاقة هذه الاقطار بعضها ببعض، ويرجع السبب في هذه المشكلة الى الطريقة التي اقيمت بها الكيانات السياسية داخل هذه الاقطار.

خلال الهيمنة العسكرية البريطانية على المنطقة في اعقاب الحرب العالمية الاولى، لم تنشأ انظمة الحكم العربية بطريقة ديمقراطية من خلال الاختيار الشعبي، الذي يحتفظ كذلك بحق محاسبته الحكم وانما كانت وزارة المستعمرات البريطانية هي التي تملأ الفراغ السياسي بتنصيب الحاكم وتزويده بوسائل الحكم، مثل تشكيل جهاز الشرطة وتشكيل جيش يفي بحفظ النظام العام عند الضرورة، وتنظيم الادارة الحكومية، وتقديم منحة مالية للانفاق على الحكومة (قبل النفط).

مقابل ذلك،كان على الحاكم ان يحافظ على النظام في الداخل بما يؤمن المصالح البريطانية، ان يمتنع عن اقامة علاقات دولية مع اطراف خارجية. وهكذا كانت القوى الاستعمارية تحدد للحكام ادوارهم، وكان الحكام يطوعون شعوبهم على قاعدة «الاستبداد» بالطريقة التي تؤمن مصالح القوى الاستعمارية.

اما القاعدة «الانعزالية» التي سيطرت على العلاقات بين الانظمة العربية، فسببها المنافسة، والتربص بين الانظمة الحاكمة بعضها لبعض.

دارت الثورة العربية للفلسطينيين بأساليب مباشرة وغير مباشرة.

لا بأس من اعادة تقليب صفحات مطوية، فعندما شاركت قوات سبع دول عربية في القتال (١٩٤٨) ظنّ القاصي والداني ان هذه الدول قادمة لتحرير فلسطين، والحقيقة انها كانت قادمة لتستولي كل واحدة منها على مزقة من ارض فلسطين، حتى لا يستأثر بها احد دون الآخر.

وهكذا انتهت الحرب وفلسطين شرائح متباعدة من الارض، وشعبها اشتاتا متناثرة من البشر.

في ظل الحكم الاستبدادي «الانعزالي» لم تتح الفرصة للفلسطينيين، لا للتنظيم السياسي ولا للتدريب العسكري على اي ارض عربية، بل كانت الارض تتضجر لمجرد وقوفهم عليها.

دارت في الاقطار العربية، الفقيرة والغنية، حرب نفسية ماكرة ضد الفلسطينيين للايحاء بأن قضيتهم هي السبب وراء فقر الفقراء، وتهدد بزوال النعمة عن الاغنياء.

اصبحت قضية فلسطين وسيلة مشاعة للاستخدام في تبرير الحكم الاستبدادي بفرض الاحكام العرقية على الشعوب العربية، بادعاء هزلي، هو ان الدولة في حالة حرب ضد اسرائيل.

اما الجانب السياسي فقد تمثل في الادعاء بأن الانقلابات العسكرية قامت لتحرير فلسطين، وإذا بها تتحول في معظمها إن لم نقل كلها الى نظم استبدادية لاستعباد الشعوب العربية نفسها.