التجنيد الإجباري في الأردن بين المناخ الإقليمي المضطرب وإعادة تعريف الجاهزية الوطنية

زمن برس، فلسطين: تأتي عودة الأردن إلى التجنيد الإلزامي في لحظة إقليمية تتسم باضطراب ممتد وتحوّلات أمنية متسارعة، حيث لم تعد البيئة المحيطة تُقاس بمعادلات استقرار تقليدية، وإنما بتداخل أزمات حدودية وأمنية واقتصادية متزامنة. وبحكم موقع المملكة على تماس مباشر مع جنوب سورية، الذي شهد خلال الأعوام الماضية نشاطًا مكثفًا لشبكات التهريب وتشكيلات مسلحة عابرة للحدود، كما ترتبط حدودها الشرقية ببيئة عراقية خضعت لدورات متعاقبة من إعادة التشكيل الأمني منذ صعود تنظيم داعش عام 2014 وما تلاه من عمليات عسكرية وإعادة انتشار قوى محلية وإقليمية. وإلى الغرب، يتفاعل الأردن مع تداعيات الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي بما يحمله من حساسيات سياسية وأمنية واجتماعية داخلية، في ظل موجات توتر دورية تنعكس على الرأي العام وعلى حسابات الأمن الوطني. فإن قرار استئناف الخدمة العسكرية، بوصفه إجراءً هيكليًا، يعكس قراءة استراتيجية تعتبر أن عدم اليقين أصبح سمة بنيوية للنظام الإقليمي، وأن إدارة المخاطر تتطلب أدوات طويلة المدى تتجاوز الاعتماد الحصري على الجيش المحترف. وبالتالي، يجب على القيادة العسكرية في الأردن رفع مستوى الجاهزية والتعبئة، وإعادة تفعيل أنماط دفاعية وخطوط ردع تحافظ على البيئة الآمنة للمملكة.
أزمات الحدود والتهديدات غير التقليدية
تحولت الحدود الشمالية والشرقية للأردن خلال العقد الأخير إلى مسرح لضغوط أمنية متعددة الأبعاد، شملت محاولات تسلل، وعمليات تهريب أسلحة ومخدرات، وشبكات تسليح وتجارة عابرة للدول تعمل في مساحات رمادية بين الاقتصاد غير النظامي والأمن المنظم. كما شكّل صعود تنظيم داعش في العراق وسورية محطة مفصلية دفعت عمّان إلى تعزيز انتشارها الحدودي وتكثيف تعاونها الاستخباري والعسكري مع شركاء إقليميين ودوليين، كان آخرها غارات نفذها سلاح الجو الملكي ضد أوكار مسلحين ومهرّبي مخدرات في المنطقة الجنوبية من سورية، في سياق مواجهة تهديدات عابرة للسيادة التقليدية. يفرض هذا النمط من التحديات، الذي يجمع بين الطابع العسكري والشرطي والاستخباري، تصورًا للأمن الوطني يقوم على توسيع قاعدة الجاهزية المجتمعية ورفع قدرة الدولة على التعبئة المنظمة في حالات الطوارئ. وعليه، يمكن قراءة التجنيد الإلزامي كجزء من منظومة احتياطية تستهدف بناء عمق بشري مدرَّب يساند القوات النظامية في إدارة الأزمات الحدودية ويعزز قدرة الاستجابة في مواجهة التهديدات الهجينة.
في أعقاب أحداث السويداء وما رافقها من توتر مسلح وتداخل بين فاعلين محليين وشبكات تهريب وقوى إقليمية، برزت الحاجة الأردنية إلى إطار تنسيقي أكثر إحكامًا لإدارة الحدود الشمالية، وجرى التنسيق لإنشاء غرفة عمليات مشتركة (أردنية – أميركية – إسرائيلية) تتولى توحيد التقدير الاستخباري، وضبط الانتشار الميداني، وربط المراقبة البرية والجوية بقرار عملياتي سريع يمنع انتقال الاضطراب إلى الداخل الأردني. في هذا السياق، يكتسب قرار إعادة التجنيد الإلزامي وظيفة عملية مباشرة تخدم أهداف هذه الغرفة، إذ يوفر قاعدة بشرية مدرّبة يمكن توظيفها ضمن منظومة دعم متعددة المستويات تشمل وحدات إسناد لوجستي، وفرق مراقبة حدودية، وعناصر مساندة في الاتصالات والسيطرة، إضافة إلى مهام الحماية الخلفية التي تتيح للقوات المحترفة التركيز على العمليات النوعية. كما يتيح نظام التجنيد، إذا صُمم ببرامج تدريب موجهة نحو سيناريوهات الحدود الشمالية، إعداد مجندين يمتلكون معرفة ببيئة التهديدات الهجينة مثل الطائرات المسيّرة، وشبكات التهريب المنظمة، وخلايا التطرف العابر للحدود، ما يمنح غرفة العمليات عمقًا احتياطيًا قابلًا للتعبئة السريعة عند ارتفاع مستوى المخاطر. وبهذا يتحول التجنيد من إجراء تنظيمي إلى أداة استراتيجية لتعزيز مرونة القرار الأمني، عبر إنشاء حلقة وصل بين التخطيط المركزي في غرفة العمليات والقدرة التنفيذية الموسعة على الأرض، ضمن مقاربة تسعى إلى إدارة المجال الحدودي بوصفه مساحة احتكاك مستمرة تتطلب توازنًا بين الردع الوقائي والاستجابة المنضبطة.
البنية العسكرية في سياق إعادة التموضع
يبلغ عدد أفراد القوات المسلحة الأردنية، وفق إحصاءات عام 2019، نحو 200,000 عسكري، منهم قرابة 100,000 في الخدمة الفعلية والبقية ضمن الاحتياط. ويضم الجيش البري نحو 88,000 فرد، فيما يضم سلاح الجو قرابة 12,000 عنصر، بينما تبلغ القوة البحرية حوالي 500 عسكري، وهو توزيع يعكس أولوية البعد البري في العقيدة الدفاعية بحكم الطبيعة الجغرافية والتهديدات البرية المحيطة. بالمقارنة مع عام 1956، حين كان عدد الأفراد يقارب 25,000 جندي بينهم 1,500 ضابط بمتوسط أعمار نحو 24 عامًا، يتضح التحول من جيش محدود الحجم إلى مؤسسة ذات تنظيم متعدد القيادات يشمل المدرعات، والمشاة الآلية، والعمليات الخاصة، والاحتياط الاستراتيجي. ويوفر هذا التطور الكمي والتنظيمي قاعدة مؤسسية يمكن أن يستند إليها نظام تجنيد مُعاد التفعيل، بحيث يندمج المجندون ضمن بنية قائمة ذات خبرة في إدارة العمليات الحدودية والمشاركة في بعثات حفظ السلام، حيث احتل الأردن المرتبة الثالثة عالميًا من حيث حجم المساهمة في عمليات الأمم المتحدة.
مقارنة إقليمية
في السياق المقارن، تحافظ إسرائيل مثلًا على نموذج تجنيد شامل يدمج الأمن في تعريف المواطنة، ما يمنحها قدرة تعبئة مجتمعية عالية ضمن بيئة تعتبر التهديد العسكري دائمًا ومباشرًا. أما مصر، فتعتمد التجنيد الإلزامي ضمن نموذج دولة ترتكز فيه المؤسسة العسكرية إلى حضور سياسي واقتصادي واسع، حيث تؤدي الخدمة دورًا في ترسيخ مركزية الدولة. بينما تُظهر التجربة التركية كيف استُخدم التجنيد كأداة لبناء قوة فعالة تتنامى لتعزيز الحضور العسكري في المنطقة وتشكيل قوة ردع وتعزيز الاندماج ضمن دولة ذات سلطة مركزية قوية، مع تحديث مستمر في البنية العسكرية. في المقابل، تكشف التجربة السورية خلال سنوات الحرب عن تحولات معقدة حين ارتبطت الخدمة بانتشار طويل الأمد وتوترات اجتماعية، حيث كانت الخدمة الإلزامية تتراوح بين سنة ونصف حتى سنتين ونصف قبل عام 2011، ومع الثورة السورية أُضيفت مدة احتفاظ وصلت إلى عشر سنوات خدمة، ما أثر على العلاقة بين المؤسسة العسكرية والمجتمع. ضمن هذا المشهد، يبدو النموذج الأردني أقرب إلى مقاربة احتياطية محدودة تركز على المرونة الاستراتيجية، مع الحفاظ على بنية سياسية وأمنية وعسكرية مستقرة توازن بين متطلبات الأمن واعتبارات التماسك الداخلي.
تتزامن العودة إلى التجنيد الإجباري في المملكة أيضًا مع تحديات اقتصادية تشمل معدلات بطالة مرتفعة بين الشباب وضغوطًا مالية مرتبطة بتكاليف الاستقرار الإقليمي واستضافة اللاجئين، ليكتسب مفهوم الواجب الوطني بعدًا إضافيًا يرتبط بإعادة توزيع الأدوار بين الدولة والمجتمع، حيث يُعاد إدماج شريحة عمرية واسعة ضمن إطار منظم يربط الانتماء بالمشاركة المؤسسية. وتشكل مدة التجنيد الأساسية التي تصل إلى سنتين، مع إمكانية تمديد الخدمة حتى 18 عامًا، وإتاحة الالتحاق الاختياري للذكور والإناث، عناصر تنظيمية تؤثر في كيفية استقبال هذه السياسة مجتمعيًا، خصوصًا إذا ارتبطت ببرامج تدريب مهني وتقني تعزز قابلية الاندماج في سوق العمل بعد انتهاء الخدمة.
تفتح عودة الأردن إلى التجنيد الإلزامي نقاشًا أوسع يتجاوز حدود الإجراء الإداري نحو سؤال أعمق يتعلق بطبيعة التحول في فلسفة الأمن الوطني. فالقرار يكشف انتقالًا تدريجيًا من إدارة المخاطر بوصفها أحداثًا طارئة إلى التعامل معها باعتبارها حالة مستمرة تتطلب بنية تعبئة قابلة للتجدد. في بيئة إقليمية تتشابك فيها أزمات الحدود مع شبكات التهريب، وتتصاعد فيها أنماط التهديد غير التقليدي، وتبقى آثار تنظيم داعش حاضرة في الحسابات الاستخبارية والعسكرية، يصبح الأمن وظيفة مجتمعية ممتدة أكثر منه اختصاصًا حصريًا لمؤسسة مهنية مغلقة. ومن هذا المنظور، يكتسب التجنيد بعدًا سياسيًا يتعلق بإعادة توزيع أعباء الاستقرار بين الدولة والمجتمع، كما يكتسب بعدًا مؤسسيًا يرتبط بخلق طبقة احتياطية واسعة ترفع من قدرة الدولة على المناورة في لحظات الضغط.
كما أن الخطوة تعكس قراءة دقيقة لمعادلة الجغرافيا السياسية الأردنية، حيث تتحول الحدود من خطوط فاصلة إلى مساحات احتكاك مستمر تتداخل فيها المصالح الإقليمية والاقتصادات غير النظامية والحسابات الأمنية. عمومًا، يعزز بناء عمق بشري مدرَّب ضمن منظومة احتياطية من قدرة الدولة على إدارة هذه المساحات بمرونة أعلى، ويمنحها أدوات استجابة تتدرج بين الردع الوقائي والدعم اللوجستي والمساندة الداخلية في حالات الطوارئ. يتحول التجنيد هنا إلى أداة لإعادة هيكلة العلاقة بين الأمن والتنمية، وبين الاستقرار السياسي والاستعداد المؤسسي، في إطار سعي الأردن إلى تثبيت موقعه كدولة قادرة على امتصاص الصدمات الإقليمية دون الانزلاق إلى أنماط تعبئة شاملة تغير بنيته السياسية. المسألة لا تتعلق فقط بإضافة قوة عددية إلى المؤسسة العسكرية، وإنما بإعادة صياغة مفهوم الصمود الوطني الذي يُعد مفخرة بالنسبة للأردنيين في إقليم تتفاعل فيه السياسة مع الأمن على نحو دائم ومتغير.




