الحرب تغيّر عادات الادخار في الخليج... إقبال على سبائك الذهب

زمن برس، فلسطين: تواجه أسواق الذهب والفضة في دول مجلس التعاون الخليجي ضغوطاً غير مباشرة ناتجة عن التوترات الجيوسياسية الإقليمية المتصاعدة؛ فعلى الرغم من عدم وجود أي حظر رسمي من الحكومات على الاستيراد والتصدير، فإن التأثيرات اللوجستية والرقابية ألقت بظلالها على أسواق المعادن الثمينة المحلية.
وتمثلت هذه التأثيرات في الارتفاع الحاد لكلفة التأمين والتحميل على الشحنات الثمينة، نتيجة الاضطرابات في ممرات الملاحة الحيوية، مما ينعكس بشكل تلقائي على أسعار الذهب المصنع محلياً ورسوم مصنعيته التي يتحملها المستهلك النهائي، وذلك تزامناً مع تراجع أسعار الذهب عالمياً بنسبة 4% خلال أسبوع ليصل إلى أقل من 4500 دولار للأونصة، قبل أن تعاود الارتفاع بشكل طفيف، بضغط من قوة الدولار وتلاشي آمال خفض الفائدة الأميركية من مجلس الاحتياط الفيدرالي، حسب تقدير نشرته منصة كيتكو نيوز (Kitco News)، المتخصصة في شؤون أسواق المعادن الثمينة العالمية، في 19 مايو/ أيار الماضي.
تشديد أمني ورقابي
وتواجه أسواق الذهب تشديداً أمنياً ورقابياً غير مسبوق من المصارف المركزية الخليجية على التحويلات المالية المصاحبة لصفقات المعادن الثمينة، التزاماً بقواعد الامتثال الدولي، ومنع أي محاولات لاستغلال الذهب في الالتفاف على العقوبات المفروضة على أطراف إقليمية كإيران، حسبما أورد تقرير نشرته منصة غولد سيلفر (GoldSilver)، المعنية بأبحاث وتحليلات أسواق الذهب والفضة، في 18 مايو الماضي.
ويتسبّب هذا التدقيق الصارم في تباطؤ حركة دوران رأس المال لدى التجار، حسب التقرير ذاته، مما يدفع إلى رفع هوامش أسعار المشغولات الذهبية لتعويض تكاليف الامتثال الإداري والمالي المرتفعة.
ورغم تفاؤل الأسواق مؤخراً بإمكانية التوصل إلى تهدئة تضمن سلامة الممرات البحرية وتخفّف حدة المخاطر، فإن تذبذب تأكيد إمكانية تحقق ذلك تواكباً مع تذبذب تكاليف الشحن والتحوط التأميني يظل عاملاً أساسياً في زيادة هوامش الأسعار المحلية للذهب المصنّع بشكل غير مبرر اقتصادياً، بحسب التقرير ذاته.
ويعكس هذا التحول، حسب التحليل ذاته، هجرة واضحة نحو الملاذات الأكثر أماناً، تماشياً مع حمى المشتريات القياسية التي تقودها البنوك المركزية عالمياً لحفظ قيمة الاحتياطيات، مما يؤكد تغلب العقلية الاستثمارية التحوطية على النمط الاستهلاكي المظهري لدى المواطن الخليجي.
اقتصاد الحرب في الخليج
في هذا الإطار، يؤكد الخبير الاقتصادي والمستشار المالي، علي أحمد درويش، لـ"العربي الجديد"، أن القيود المفروضة على استيراد المعادن الثمينة، وخاصة الذهب، تفرض ضغوطاً ملحوظة على الأسعار، مما يؤثر بشكل مباشر في الصيغ الادخارية التقليدية التي تعتمد عليها العائلات في المنطقة، ولا سيما تلك المرتبطة بشراء الحلي والمشغولات الذهبية.
ويلفت درويش إلى ضرورة الأخذ بعين الاعتبار أن منطقة الخليج تعيش حالياً في ظل ما يمكن تسميته "اقتصاد الحرب"، وهو واقع يدفع الأفراد إلى تعديل سلوكهم المالي ليتناسب مع ردات الفعل تجاه الأزمة، حيث يتجه الناس نحو الاحتفاظ بسيولة نقدية أعلى كإجراء احترازي، بدلاً من الانخراط في استثمارات طويلة الأجل، بانتظار وضوح نتائج الحرب.
حالة اللاحسم
وفي السياق، يشير الخبير المختص بالاقتصاد السياسي، زيان زوانة، لـ"العربي الجديد"، إلى أن حالة "عدم اليقين" السائدة منذ هدنة الحرب، التي تتسم بتبادل الرسائل التفاوضية والتهديدات العسكرية في آن واحد، وتوقف الإيرادات النفطية والغازية وصادرات السلع الأخرى عن خزائن دول الخليج العربي، تُبرز الحاجة الملحة لهذه الدول للدولار النقدي لتمويل مستورداتها مرتفعة الثمن والوفاء بالتزاماتها المالية.
وأدت هذه الضغوط إلى تقنين استيراد الذهب والفضة، كما حدث في الهند، بهدف توفير العملة الأجنبية، حيث تدفع حالة "اللاحسم" المستمر في الحرب دول الخليج والعالم أجمع نحو تبني استراتيجية "المحافظة على العملة الأجنبية" لاستخدامها حصراً في تمويل الضروريات، كما يوضح زوانة.
وقد يجبر استمرار حالة عدم الحسم هذه الدول على اتخاذ إجراءات أكثر صرامة، مثل مراقبة وتقييد التحويلات المالية للخارج، خاصة إذا طالت الأزمة، مما سينعكس سلباً على القطاع الخاص، حسب زوانة، ولا سيما قطاعات الفنادق والسياحة وسلاسل الإمداد المرتبطة بها والطيران، التي ستدخل مرحلة ترشيد النفقات عبر تقليل ساعات العمل أو تسريح العمالة، وفق تقديره.
ومن شأن تسريح العمالة وخروج العاملين من السوق أن يؤدي إلى تراجع الطلب وتداعيات انكماشية قطاعية، مما يؤثر، حسب زوانة، سلباً في قدرة المواطنين بالخليج على الادخار، ويدفعهم نحو "البحث عن ملاجئ جديدة لرأس المال"، أو على الأقل "تنويع الاستثمار جغرافياً" هرباً من المخاطر المحلية.
ويخلص زوانة إلى أن العالم، بما فيه دول الخليج، يستعد لموجة جديدة من ارتفاع الأسعار قد يقودها البنك المركزي الأميركي، وسط تساؤلات كبيرة بدون إجابات واضحة حول تكاليف ومدة إصلاح أضرار البنية التحتية النفطية والغازية، وكيفية تغير هيكل التحالفات الدولية، وهي عوامل ستتداخل بشكل معقد لتؤثر بالقرارات الاقتصادية والنقدية والتجارية للحكومات.





