الشيكل الخامل في غزة... أموال متراكمة وسوق موازية تلتهم قيمتها

زمن برس، فلسطين: تتفاقم الأزمة النقدية في قطاع غزة مع استمرار التداعيات الاقتصادية لحرب الإبادة، لتبرز ظاهرة ما بات يُعرف باسم الشيكل الخامل، وهو النقد الذي يحتفظ بقيمته الرسمية، لكنه يفقد قدرته على التداول نتيجة رفض استقباله أو صعوبة تمريره في المعاملات اليومية. وبينما يعاني الغزيون من تراجع حاد في الدخل وارتفاع غير مسبوق في معدلات الفقر والبطالة، تتحول كميات كبيرة من النقد المتراكم في أيدي المواطنين والتجار إلى عبء اقتصادي يضاف إلى سلسلة الأزمات التي تضرب القطاع.
وأدى ذلك إلى ظهور سوق موازية تتعامل مع هذه الأموال باقتطاعات متفاوتة، الأمر الذي جعل كثيراً من الغزيين أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الاحتفاظ بأموالهم من دون القدرة على استخدامها، وإما تصريفها بخسائر كبيرة تقلص من قدرتهم الشرائية المحدودة أصلاً. وتنعكس هذه الأزمة على مختلف مفاصل الحياة الاقتصادية في قطاع غزة، حيث يجد المواطنون أنفسهم عاجزين عن الاستفادة من مدخراتهم النقدية، فيما يواجه التجار صعوبات متزايدة في قبول بعض الفئات النقدية خشية عدم قدرتهم على إعادة تدويرها داخل السوق. وفي ظل غياب حلول عملية واستمرار الاختلالات النقدية، تتزايد المخاوف من اتساع دائرة "الشيكل الخامل" وتحوله إلى أزمة اقتصادية واجتماعية أكثر تعقيداً.
وفي هذا الصدد، يقول الفلسطيني سامح زقوت إنه يمتلك مبلغاً قدره 1320 شيكلاً (الدولار= 2.95 شيكل) من فئة العشرة شواكل، إلا أن هذه الأموال بقيت متراكمة لديه منذ أشهر من دون أن يتمكن من استخدامها في شراء احتياجاته الأساسية أو تصريفها في الأسواق المحلية. ويوضح زقوت لـ"العربي الجديد" أن أزمة هذه الفئة النقدية بدأت في الأشهر الأولى من الحرب، حيث فقدت الثقة بها تدريجياً بين الباعة والتجار، وأصبح معظمهم يرفض استقبالها بالكامل، الأمر الذي جعل الأموال التي يمتلكها حبيسة المنزل رغم حاجته الماسة إليها في ظل الظروف المعيشية الصعبة وتراجع مصادر الدخل.
ويضيف: "قبل أسابيع وجدت بائعاً يقبل فئة العشرة شواكل، لكنه اشترط عليّ شراء توابل وبهارات بأسعار مرتفعة جداً، بحيث تصبح القيمة الفعلية للعشرة شواكل نحو أربعة شواكل فقط، أي بخسارة تصل إلى 60% من قيمة المبلغ". ويلفت إلى أنه رفض هذا العرض لأنه يعني سرقة المال بطريقة أو بأخرى، مضيفاً: "ما زلت أنتظر إيجاد حل لأزمة الشيكل المتراكم في جيوبنا من دون قدرة على تصريفه".
ويشير أبو غوري لـ"العربي الجديد" إلى أن قبول تلك الشروط سيؤدي إلى خسائر مباشرة في نشاطه التجاري، مضيفاً: "إذا اشتريت بالسعر الذي يطرحه التاجر فسأخسر قرابة 20% مقارنة بالأسعار المتداولة في السوق، وهذا يعني أنني سأضطر إلى بيع المكسرات بخسارة". ولا تتوفر تقديرات رسمية لحجم الشيكل المتداول في قطاع غزة بشكل منفصل، إلا أن سلطة النقد الفلسطينية قدرت حجم الشيكل المتداول في الأراضي الفلسطينية بنحو 57 مليار شيكل خلال عام 2024، فيما أشارت في عام 2026 إلى فقدان نحو 1.2 مليار شيكل من النظام المصرفي في قطاع غزة نتيجة الحرب وتدمير البنية المصرفية.
ظهور سوق موازية تتعامل مع هذه الأموال باقتطاعات متفاوتة، الأمر الذي جعل كثيراً من الغزيين أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الاحتفاظ بأموالهم من دون القدرة على استخدامها، وإما تصريفها بخسائر كبيرة تقلص من قدرتهم الشرائية المحدودة أصلاً
كذلك لا توجد تقديرات رسمية دقيقة لحجم النقد التالف داخل القطاع، غير أن الأزمة النقدية تعمقت بصورة ملحوظة مع استمرار الحرب ومنع إدخال السيولة النقدية الجديدة أو استبدال الأوراق التالفة، ما أدى إلى تزايد كميات النقد المتهالك المتداول في الأسواق. وتشير تقديرات عدد من الاقتصاديين إلى أن نسبة الأوراق النقدية التالفة، نتيجة منع إدخال سيولة جديدة وتوقف عمليات الاستبدال، تتجاوز 65% من إجمالي الأموال المتداولة في القطاع، مع احتمالية ارتفاع هذه النسبة مع مرور الوقت، وهو ما يجعل جزءاً كبيراً منها بمثابة "شيكل خامل".
من جهته، يرى المختص في الشأن الاقتصادي محمد الدريملي، أن ظاهرة "الشيكل الخامل" تمثل انعكاساً مباشراً لاختلالات عميقة أصابت المنظومة النقدية خلال الحرب، موضحاً أن المشكلة لا ترتبط بالعملة ذاتها بقدر ارتباطها بفقدان الثقة بقدرة السوق على إعادة تدويرها واستيعابها بصورة طبيعية. ويقول الدريملي لـ"العربي الجديد" إن "الشيكل الخامل" ينبع من خلل في منظومة الصرف بسبب تراجع الثقة بين الناس والتجار بهذه العملة، إن نتيجة غياب التدخل الفاعل لمعالجة الأزمة، أو بسبب حالة الجمود الحالية، أو بفعل تحكم السوق السوداء بجزء كبير من المنظومة النقدية وآليات الصرف داخل القطاع.
وتكشف أزمة "الشيكل الخامل" جانباً آخر من التداعيات الاقتصادية للحرب في قطاع غزة، إذ لم تعد المشكلة مقتصرة على نقص السيولة أو تراجع النشاط الاقتصادي، بل امتدت إلى تآكل الوظيفة الأساسية للنقد باعتباره وسيلة للتبادل. ومع استمرار تراكم الأموال غير القابلة للتداول في أيدي المواطنين والتجار، تزداد الحاجة إلى تدخلات عاجلة تعيد تنظيم السوق النقدية وتحمي المدخرات المحدودة للسكان، بما يساهم في تخفيف الأعباء الاقتصادية المتفاقمة.




