الانتخابات التشريعية الفلسطينية تعود إلى الواجهة بعد تأجيل متكرر

الانتخابات التشريعية الفلسطينية تعود إلى الواجهة بعد تأجيل متكرر

زمن برس، فلسطين:  عاد الحديث عن الانتخابات التشريعية الفلسطينية إلى الواجهة بعد أن أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس سلسلة من المراسيم والقوانين الرامية لإجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية الثالثة منذ تأسيس السلطة (بعد انتخابات 1996 و2006)، وإعلان حركة حماس المشاركة في الانتخابات. وفي التاسع من يوليو/تموز الماضي صدر مرسوم عباس الأول بالدعوة لتنظيم الانتخابات التشريعية في كافة "أراضي دولة فلسطين؛ الضفة الغربية بما فيها القدس، وقطاع غزة، على أن يجري الاقتراع في 28 من نوفمبر/ تشرين الثاني 2026".

ورغم غياب التوافق بين حركتَي فتح وحماس بشأن إجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية على عكس ما جرى في مايو/ أيار 2021، حينما قررت الفصائل الذهاب نحو الانتخابات قبل أن يصدر عباس قراراً بإلغائها بذريعة الرفض الإسرائيلي لإجرائها في القدس المحتلة، تتجه الاستعدادات هذه المرة للذهاب نحو صناديق الاقتراع. وحسمت حركة حماس حالة الضبابية والغموض تجاه هذا الاستحقاق عبر موقفين كان أولهما، الثلاثاء الماضي، دعوة الناخبين لتحديث بياناتهم للمشاركة في الانتخابات، فيما جاء الموقف الثاني أكثر وضوحاً من خلال رئيس مكتب العلاقات الوطنية في الحركة حسام بدران، الذي أعلن الأربعاء الماضي، مشاركة الحركة في انتخابات المجلس التشريعي المقبلة.

مشاركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية

وقال بدران في مقابلة تلفزيونية بثتها قناة الأقصى التابعة لحركة حماس، إن الأخيرة ستشارك ضمن "أوسع ائتلاف وطني ممكن"، في خطوة تهدف إلى توسيع قاعدة التمثيل داخل المجلس المقبل. وأضاف أن "حماس" تعمل مع عدد من القوى الفلسطينية لتشكيل كتلة انتخابية تضم طيفاً واسعاً من الشعب الفلسطيني، مبيناً أن الحركة معنية بوصول أوسع قاعدة وطنية إلى المجلس التشريعي، على أساس الإيمان بالشراكة في القرار السياسي الفلسطيني، ورفض التعايش مع الاحتلال، بما ينسجم مع تطلعات الشعب الفلسطيني.

منذر الحايك: شرعت حركة فتح من جانبها في تشكيل لجانها الانتخابية والتحضير للاستحقاق

من جهة أخرى، عبّر بدران عن رفض ما وصفه بـ"فرض الشروط" على الفصائل والأطراف المشاركة في الانتخابات، قائلاً إنه "لا يحق لأحد أن يضع شرطاً سياسياً للمشاركة أو إلزام الأطراف ببرنامجه الخاص". كما انتقد توقيت الدعوة إلى الانتخابات التشريعية الفلسطينية وآلياتها، معتبراً أن الدعوة متأخرة قانونياً نحو عقدين، وأن القيادة الفلسطينية انفردت في اختيار التوقيت والآليات، خلافاً لتجربتي 2006 و2021، اللتين قال إنهما قامتا على توافق وطني تفصيلي.

يُذكر أنه أضيف في التعديلات التي أجرتها السلطة الفلسطينية على قانون الانتخابات، والتي نشرت في 18 يونيو/ حزيران الماضي، شرط جديد يُلزم كل مرشح بالالتزام بمنظمة التحرير ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، وببرنامجها السياسي والوطني وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة. هذا الشرط عدته قوى فلسطينية، من بينها "التحالف من أجل التغيير" (أُطلق الشهر الماضي) شرطاً سياسياً.

وأعلنت لجنة الانتخابات المركزية، الثلاثاء الماضي، تسلمها مرسوماً رئاسياً يقضي بتخصيص سبعة مقاعد على الأقل للمواطنين المسيحيين في المجلس التشريعي المقبل، وفق مرسوم تعديل الانتخابات الأخير، الذي أعاد عدد أعضاء المجلس التشريعي إلى 132 عضواً (كان 200). كما أعلنت أن تمثيل المرأة سيكون بنسبة لا تقل عن 33% في القوائم المترشحة، وفق التعديل، إضافة إلى تخفيض سن الترشح لعضوية المجلس التشريعي إلى 23 عاماً.

فرصة حقيقية

وقال عضو المجلس الثوري لحركة فتح والناطق باسمها، منذر الحايك، إن فرصة إجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية ما زالت قائمة بشكل حقيقي، مؤكداً في حديث لـ"العربي الجديد"، أن الانتخابات تمثل استحقاقاً ضرورياً لتوحيد النظام السياسي الفلسطيني. وأوضح الحايك أن الدعوة الحالية تفرض على الفلسطينيين استثمار هذه الفرصة والتوجه إلى صناديق الاقتراع في الموعد المحدد، لانتخاب مجلس تشريعي يمثل الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة والقدس المحتلة. وفي رأيه يبعث ذلك رسالة موحدة إلى المجتمع الدولي تؤكد وجود نظام سياسي فلسطيني موحد، ووحدة جغرافية، وتدفع باتجاه إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس.

 

وأشار إلى أن لجنة الانتخابات المركزية بدأت العمل فعلياً، فيما شرعت حركة فتح من جانبها في تشكيل لجانها الانتخابية والتحضير للاستحقاق. ولفت إلى وجود حراك واسع داخل الحركة استعداداً لمرحلة التسجيل، إلى جانب التحضير لحملة ميدانية من بيت إلى بيت للتواصل مع الفلسطينيين وطرح برامج الحركة السياسية والوطنية والإغاثية. وعن الاتصالات مع الفصائل الفلسطينية، أوضح الحايك أن عباس شكّل لجنة من اللجنة المركزية لحركة فتح لإدارة الحوار مع مختلف الفصائل والقوى والمستقلين ومكونات الشعب الفلسطيني بشأن الانتخابات، لافتاً إلى أن الاتصالات بدأت بالفعل وستشمل جميع الفصائل والقوى الفلسطينية. ووفق الحايك، فإن الفلسطينيين لا يثقون بإمكانية مرور العملية الانتخابية من دون تدخلات أو عرقلة، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن المجتمع الدولي، وكل الجهات التي دعمت إجراء الانتخابات، مطالبة بالعمل على إزالة هذه العقبات.

انتخابات مفصلية

من جهته، اعتبر عضو اللجنة المركزية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين محمد الغول، أن قضية الانتخابات التشريعية الفلسطينية "مفصلية وهامة جداً"، خصوصاً أنها تأتي في ظروف استثنائية يعيشها الشعب الفلسطيني في ظل حرب الإبادة التي يشنها الاحتلال، والتي تستهدف الوجود والبقاء الفلسطينيين. وأضاف في حديث لـ"العربي الجديد"، أن إجراء الانتخابات في ظل التعقيدات السياسية والميدانية الراهنة يجب أن يُنظر إليه باعتباره "معركة سياسية" ينبغي أن يخوضها الشعب الفلسطيني بكل مكوناته السياسية والمجتمعية. وأشار الغول إلى أن الجبهة الشعبية كانت تأمل أن يسبق إصدار المراسيم المتعلقة بالانتخابات حوار وطني شامل يهيئ البيئة السياسية والقانونية اللازمة لإجرائها.

محمد الغول: عقد اجتماع للأمناء العامين للفصائل الفلسطينية بات ضرورة مهمة للاتفاق على المرحلة المقبلة

كذلك أوضح أن هذا الحوار يجب أن يهدف إلى التوافق على آليات مواجهة التحديات والاشتراطات التي يضعها الاحتلال لعرقلة الانتخابات، ولا سيما في القدس، إلى جانب بحث الواقع الجديد والتحديات التي يواجهها قطاع غزة. وفي رأيه، فإنّ المطلوب هو العمل مع مختلف مكونات الساحة الوطنية لضمان إجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية في أجواء ديمقراطية، وبنزاهة وشفافية، بحيث تشكل محطة أساسية لإعادة الاعتبار إلى النظام السياسي الفلسطيني القائم على التعددية السياسية. وشدد على أن ذلك يضمن مشاركة الجميع وينهي ما وصفه بحالة الهيمنة والتفرد داخل النظام السياسي، ويحافظ في الوقت نفسه على وحدانية التمثيل الفلسطيني.

وأشار الغول إلى وجود حوارات وتفاعلات ولقاءات مكثفة بين الفصائل الفلسطينية بشأن الاستحقاق الانتخابي، لكنه شدد على أهمية الانتقال إلى حوار وطني شامل، معتبراً أن عقد اجتماع للأمناء العامين للفصائل الفلسطينية بات ضرورة مهمة للاتفاق على المرحلة المقبلة، وصياغة رؤية وخريطة طريق مشتركة.

تاريخياً، أجرت السلطة الفلسطينية عمليتين انتخابيتين لمنصب رئيس السلطة الفلسطينية عام 1996، والتي شهدت انتخاب الرئيس الراحل ياسر عرفات ثم تكررت هذه العملية عام 2005، بفوز الرئيس الحالي محمود عباس. وفي مرسوم رئاسي بتاريخ 28 نوفمبر الماضي، اكتفى بالدعوة للانتخابات التشريعية من دون تحديد موعد للانتخابات الرئاسية (نصت تعديلات 2021 على قانون الانتخابات وبعد توافق بين فتح وحماس، على إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية غير متلازمة).

عدم يقين

بدوره، قال الكاتب والمحلل السياسي مصطفى إبراهيم إن هناك جدلاً واسعاً وحالة من عدم اليقين بشأن وجود فرصة حقيقية لإجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية في موعدها، في ظل ضغوط داخلية تواجه حركة فتح، وربما من الأجهزة الأمنية، على الرئيس الفلسطيني لتأجيل الاستحقاق لأسباب سياسية داخلية. وأضاف في حديث لـ"العربي الجديد"، أن من أبرز العوامل التي تثير الشكوك أيضاً ما تشهده الضفة الغربية من انتهاكات خطيرة وتصاعد اعتداءات المستوطنين، إلى جانب عدم اكتمال الجاهزية التنظيمية داخل حركة فتح وأشار إلى أن اللجنة المركزية للحركة لم تستكمل حتى الآن الترتيبات المرتبطة بالانتخابات. ووفق إبراهيم، هناك أسئلة أساسية لا تزال مطروحة بشأن إمكانية إجراء الانتخابات في قطاع غزة والقدس، فضلاً عن طبيعة القوى التي ستشارك وقدرتها على خوض المرحلة الانتقالية المقبلة، في ظل ملفات شديدة التعقيد، من بينها إعادة الإعمار، والانسحاب الإسرائيلي، وإدارة غزة.

مصطفى إبراهيم: هناك تساؤلات حول مدى قدرة أعضاء المجلس التشريعي المنتخبين على التواصل والعمل معاً بين الضفة الغربية وقطاع غزة

ومن بين التساؤلات، وفق إبراهيم، مدى قدرة أعضاء المجلس التشريعي المنتخبين، في حال إجراء الانتخابات، على التواصل والعمل معاً بين الضفة الغربية وقطاع غزة، خصوصاً في ظل الواقع الجغرافي والسياسي القائم. ولفت إلى وجود انتقادات للتعديلات التي أُدخلت أكثر من مرة على القوانين المتعلقة بالانتخابات، بما في ذلك التغييرات المرتبطة بنسب تمثيل المسيحيين والكوتا النسائية، إلى جانب عدم وضوح قدرة الفصائل والقوى السياسية على تشكيل تحالفات أو تكتلات انتخابية مشتركة. وفي ما يتعلق بمشاركة حركة حماس، رأى إبراهيم أن الحركة، رغم تصنيفها منظمة إرهابية من قبل بعض الدول، ورغم الأهداف الإسرائيلية المعلنة بإبعادها عن المشهد في قطاع غزة، من المتوقع أن تسعى إلى المشاركة في الانتخابات باعتبارها جزءاً أصيلاً من الحالة السياسية الفلسطينية.