الشيخ حمد يسلم قطر لابنه و’يدير محركها’

بقلم: سمدار بيري

نضج الاجراء الدراماتي الذي لا يشبهه شيء في العالم العربي من وراء ستار مدة زادت على سنة: فقد حدث تنح طوعي للحاكم، من دون انقلاب عسكري ومن دون محاولة اغتيال، ومن دون طرحه في السجن. وقد أطلع الشيخ حمد بن خليفة، قبل خمسة اشهر، جهات مختلفة في الغرب على السر الكبير لتبديل السلطة في قطر، الذي نقل في اطاره مقاليد الحكم الى ابنه المفضل الشيخ تميم وأبعد ابن عمه ومستشاره المقرب الشيخ حمد بن جاسم رئيس الحكومة ووزير خارجية الامارة.
‘عرفوا في جانبكم ايضا’، كشف لي مستشار سياسي كبير في الدوحة، ‘فقد لقي رئيس منظمة ما ذو اختصاص وتقدير ولي العهد أكثر من مرة واحدة كي يستطلع خبره ويسمع أنه لا ينوي ان يدخل في مغامرات خطيرة’.
أين تمت اللقاءات؟ ‘في موقع آمن يأتي اليه الطرفان بالطائرات. ومرة اخرى أو ربما أكثر من مرة واحدة في الملعب المنزلي ـ في الامارة’.
ماذا كانت رسالة قطر المركزية؟ ‘للحاكم المتنحي حس دعابة واسلوب كلام تصويري. فقد أشار الى ولي العهد الذي حضر اللقاء وقال: يشبه الأمر أن أنقل سيارتي اليه وأدير محركها من اجله. وتكون السيارة قد أصبحت تعلم الى أين تتجه. لن توجد تغييرات حادة طول المسار’. هل خرج المحاور الاسرائيلي راضيا؟ ‘لا يجوز ان ننسى الاختلافات العميقة بيننا بشأن حماس. فهم عندكم غاضبون من المساعدة التي ننقلها. والامور مُسيطر عليها بالنسبة الينا. ولا يجوز ايضا ان ننسى ان الادارة في قطر لن توافق أبدا على ان يُملوا عليها كيف تسلك’.
وكان الرئيس اوباما وقادة وزارة الدفاع الامريكية ووكالات الاستخبارات في واشنطن على علم بالاجراء بالطبع، ولم يكن ذلك بالصدفة، فللولايات المتحدة في العُديد في الجزء الصحراوي من الامارة أكبر قاعدة عسكرية لها في الشرق الاوسط. ‘لو كان الحديث عن انقلاب في الحكم يرمي الى إدخال روح الاسلام المقاتلة الى قطر’، يقول لـ’يديعوت احرونوت’ سليمان وهو واحد من مستشاري الحاكم المتنحي المقربين، ‘لأظهر الامريكيون العصبية وبدأوا العمل. فلقطر أهمية استراتيجية عندهم، لأن قاعدة العديد هي عيونهم على ايران. وفي هذه الاثناء يُمكن القطريون الامريكيين من العمل هناك بحرية. فلا يعلم أحد ما الذي يحدث بالضبط في معسكرات التدريب وأي معدات ينقلونها الى الجنود داخل شاحنات محكمة الاغلاق، وما عدد قوات الجيش هناك’. والتزم الحاكم المتنحي ايضا للامريكيين بأن يستمر على مصاحبة ابنه الأمير الجديد بمنزلة ‘مرشد أعلى’.
لماذا استقر رأيه على أن يتنحى الآن على الخصوص وهو في الواحدة والستين فقط، بعد ان حول قطر من امارة متخلفة غارقة في ديون بلغت مئات ملايين الدولارات الى أغنى دولة في العالم تندس أصابعها عميقا في كل مسيرة سياسية؟ ولم يُجهد الشيخ حمد نفسه في التعليل. لأن خطبة تنحيه في صباح يوم الثلاثاء استمرت أقل من ست دقائق. وقد تحدث الأمير التارك منصبه عن ‘صفحة جديدة في التاريخ’ فقط وعن ‘نقل السلطة الى أيدٍ قادرة’؛ ولم ينبس بكلمة عن السبب الحقيقي للتنحي أو بالثناء على ابن عمه، الذي أُرسل الى المنفى. ‘لو كان الامر متعلقا بالأمير فقط’، طرح إلي المستشار في القصر اشارة ثخينة من دون تفصيل، ‘لبقي سنتين أو ثلاث على الأقل واستمر في اعداد ولي العهد’.

أنحف وأكثر تعبا

قبل ثلاثة اسابيع في قاعة الاجتماعات الكبيرة في فندق ‘كارلتون ريتس′ في الدوحة عاصمة الامارة رأيت الأمير حمد من قريب. حينما دخل ليخطب الخطبة الافتتاحية لمنتدى الدوحة الفخم لم يكن من الممكن تجاهل صورته الجديدة: فقد أسقط عن نفسه عشرات كثيرة من الكيلوغرامات وتحدث بصوت متعب. وحتى حينما وبخ اسرائيل وألقى على رئيس الحكومة نتنياهو المسؤولية وحده عن الجمود مع الفلسطينيين، لم يُسمع كلامه لاذعا. وسرت في القاعة اشاعات عن أمراضه فله كلية لا تؤدي عملها بعد ان أُجريت له عمليتا زرع، ومرض سكري شديد يقيد حركاته وضغط دم عال. ‘سترون قريبا جدا’ كما وعدني مستشار كبير في القصر، ‘أنه قبل ان ينتهز شخص ما في القيادة العليا الفرصة ويحاول خطف السلطة، سيرتب الأمير الامر ويجري دما جديدا في القصر’.
وكان ذلك الشخص وهو رئيس الوزراء ووزير الخارجية الشيخ حمد بن جاسم يجلس في وسط صف ذوي الفخامة في ذلك المساء. لكنه بخلاف عادته أن يجلس ازاء عدسات التصوير ويفتح فما كبيرا، جمع في نهاية الحفل أطراف عباءته البيضاء الناصعة وانصرف على عجل. إن الشيخ حمد هو الضحية المباشرة لتبديل الحكم. ولم يُر هذا الاسبوع الى جانب الحاكم المتنحي والأمير المتولي للحكم، اللذين وقفا كتفا الى كتف في مراسم نقل السلطة. ‘أفترض’، يقول محمود بهران وهو موظف حكومي في الدوحة، ‘أنهم اهتموا بأن يجدوا له عملا مناسبا. أُخمن ان يقضي أكثر الوقت خارج الامارة في البيوت الفخمة التي يملكها في لندن وباريس ونيويورك’.
استطعنا ان نطلع على ثروته المفرطة قبل نصف سنة، حينما حاول ان يشتري شقة سكنية في مبنى شقق فخم في الجادة الخامسة في منهاتن، فقد عرض وكيله نصف مليون دولار فوق السعر المطلوب، لكن السكان وفيهم ربة الطبخ مارتا ستيوارت رفضوا استيعاب ‘القطري الذي عنده أربع نساء، وحشد من الحراس و17 ولدا سيقضون مضجع الجيران’.
وقد تصرف مراسلو ‘الجزيرة’ هذا الاسبوع في حرج وتقلص كنز كلماتهم دفعة واحدة. ‘كل شيء عادي’، قال محمد كريشان المحلل الكبير ومقدم يوميات الأخبار، في إصرار. وردد المراسلون قائلين: ‘كل شيء طبيعي’. وبين ‘العادي’ و’الطبيعي’ اعتُقلت الألسنة.

ماذا سيقول الجيران؟

سارعت ايران هذا الاسبوع الى مباركة تبدل الجيلين في الدوحة وأرسلت رسائل تشجيعية عن نيتها تعزيز العلاقات التي فسدت في عهد الأمير السابق. إن آيات الله والحرس الثوري في طهران يصفون حسابا مع قطر، التي تطلب من بشار الاسد أن يترك الحكم في سورية وتهتم ايضا بتسليح المتمردين والانفاق عليهم. وكانت ميساء شقيقة الشيخ تميم تراسل أسماء الاسد زوجة رئيس سورية وتوسلت أن تتدخل في حمام الدم في الدولة، بل عرضت عليها لجوءا سياسيا مع زوجها وأبنائهما. وقُطع التراسل حينما طلبت أسماء قائلة: ‘لا تتدخلي في شؤوننا الداخلية’.
وتصفي الأسرة المالكة السعودية حسابا مع قطر ايضا، ويدور ذلك في الأساس حول شؤون التكريم وتقاسم أدوار الوساطة في العالم العربي والساحة الفلسطينية. ويرى السعوديون ان طموح القصر في الدوحة ‘الى ادارة العالم من علبة ثقاب صغيرة جدا تصنع الكثير جدا من الضجيج’، يهدد الوزن التقليدي لعشرات الأمراء الشيوخ في الرياض. وسيكون مما يثير الاهتمام ان نرى كيف سيتصرف الملك السعودي ابن الثامنة والثمانين مع الحاكم الجار الذي هو أصغر منه بأكثر من خمسين سنة، ومن المثير ان نعلم ايضا كيف سيؤثر تبدل الجيلين في قطر في الجيل الشاب الغاضب في امارات الخليج. يوجد اجماع بين قطر والسعودية وامارات النفط على أمرين فقط وهما ان ايران خطر، وان بشار الاسد يجب ان يرحل.
إن الشيخ تميم على علم بالاوضاع المعقدة التي سيواجهها، وقد استمر اعداده للمنصب عشر سنوات، وكان في هذه الفترة يصاحب أباه مثل ظل أخرس في لقاءاته مع زعماء المنطقة، وكان يشارك في قرارات تتعلق بمقدار المساعدة المالية والتبرعات التي حصلت عليها جهات كثيرة، منها قيادة حماس في غزة وقيادة حماس في الخارج، وسلطة مرسي في مصر والادارة في لبنان والسلطة الفلسطينية في رام الله. وعلى مر السنين أُرسل وسطاء من قطر لشراء اراض في القدس. وحينما لم يجادلوا في مقدار الدفع ثار من جانبنا شك في هوية مُرسليهم ورُفضوا.
يجب على الأمير الجديد ان يحفظ أوراق لعبه قريبة من صدره. في السنة الماضية حينما خطب في منتدى الدوحة تحدث عن ‘الاخفاق الاسرائيلي’ في حل المشكلة الفلسطينية. ‘يجب على الطرفين ان يجلسا الى طاولة التفاوض’، استحث نتنياهو وأبو مازن، ودحرج الكرة فورا الى الملعب الاسرائيلي. ‘للمحتل فقط قدرة على المبادرة. يجب على المحتل ان يُظهر سخاء وان يتوصل الى حل مشرف’. وقال في خطبة تنصيبه حاكما أول أمس: ‘يجب علينا ان نقف الى جانب الشعب الفلسطيني لينال حقوقه المشروعة. إن أساس السلام العادل يوجب انسحابا اسرائيليا من الاراضي التي احتلت في 1967′. إن أباه على يقين من أنه الرجل المناسب في المكان المناسب. فقد قال هذا الاسبوع: ‘لا يوجد أعظم منه خبرة بشؤون المنطقة، فهو يعرف صورة الوضع حتى أدق التفاصيل الصغيرة في كل دولة وكل منظمة. وسيستمر في الطريق الصحيح وادعموه فقط’.