شرك الانتفاضة

الانتفاضة جيدة لليمين لكنها سيئة للدولة فبعد كل جولة تنجر إسرائيل لعنف أكبر
يوعاز عندل
الانتفاضات لا تبدأ بل تتكشف في نظرة الى الوراء. فالمؤرخون يعرفون كيف يشخصون العلائم، والخبراء يشرحون الظروف التي تؤدي الى موجات الارهاب، ولكن في الزمن الحقيقي تنطلق صافرات التهدئة، هذا هو سبيل الحكومات في اسرائيل، وربما طبيعة البشر.
في كانون الاول 1987، عندما اندلعت الانتفاضة الاولى، كنت فتى صغيرا. وقد تغيرت حولي الحياة، ولكني لم أعرف، وهكذا أيضا معظم الاسرائيليين. الجيش الاسرائيلي تجاهل، وزير الدفاع رابين سافر الى الولايات المتحدة لاسبوعين، والمستوطنون انتظروا الى ان يمر هذا. في ايلول 2000، عندما اندلعت انتفاضة الاقصى، كنت صرت شابا في خدمة الاحتياط. بعثوا بي الى منطقة حاجز ايرز كي اسد الثغور. وفي حينه ايضا لم نفهم انه توجد انتفاضة، وفي حينه ايضا تعاطت القيادة السياسية مع ما يجري كأزمة صغيرة سرعان ما ستنقضي. مرة تحدثوا ومرة اطلقوا النار ومرة اصدروا الاوامر المتضاربة كي يهدئوا الخواطر.
نحن نوجد الان في بداية انتفاضة ثالثة – موجة عنف تقوم على أساس النزاع الوطني الذي لم يحل هنا حاليا. ومنذ بضعة اسابيع ونحن هناك. عمليات أمس تجعل العنف أقل محيطيا.
الانتفاضة هي سهم مرتد. فهي تمس اساسا بالفلسطينيين – تخرب لهم حياتهم وتدمر اقتصادهم. وبعد ذلك تمس بنا ايضا. يمكن هزيمة الارهاب رغم الاف الحجج والمبررات. لماذا لا. لقد فعلت اسرائيل هذا في انتفاضة الاقصى. يمكن المس ببنى الارهاب، تصفية أو اعتقال معظم النشطاء، كما يمكن ايضا خلق الدرع.
ان الجدال على الحسم عديم الجدوى وان كان فقط بسبب حقيقة انه عندما تندلع انتفاضة لا يكون لاسرائيل بديل آخر غير انه بعد الحسم وايقاع الهزيمة على الطرف الاخر تأتي الحاجة الى الانتصار الذي معناه اعتبارات الكلفة مقابل المنفعة والانتصار يوجد في رأس الناس، وبالتالي فهو ذو مغزى بهذا القدر.
استنتاجان واضحان يوجدان من الماضي: الاول هو ان الكفاح ضد الارهاب يدفع الاسرائيليين الى الحراك يمينا ومعارضة الاتفاقات التخمينية مع الفلسطينيين. والاحلام مريحة فقط حين يكون الهدوء. لقد جلبت انتفاضة الاقصى اليسار الى الافلاس الانتخابي. فهو لم يخلق بدائل بل كرر فقط شعارات الاتفاقات. اما السياسيون من اليمين، بالمقابل، فيسبحون في الانتفاضات كالسمك في الماء. فهم تلتقط لهم الصور على خلفية العمليات، يطلقون التصريحات الحادة عن القضاء على الارهاب ويلاحقون الحكومة بمطالبات القيام بالعمل.
ندما يكونون في المعارضة ينجح هذا على نحو ممتاز، في حالة السنوات الاخيرة تدبر هذا ايضا في الائتلاف. انتظروا المعركة الانتخابية وستكتشفون انه نسيت حقيقة ان الحكومة الحالية (التي تجلس فيها كل احزاب اليمين) حررت مخربين، ابقت حماس غزة قوية واحتوت الاحداث في القدس.
الاستنتاج الثاني هو أنه رغم ان الانتفاضة جيدة للانتخابات لليمين، فانها سيئة لايديولوجيته. فبعد كل جولة من العنف تخسر اسرائيل ارضا وتنجر الى ورطة عنف اكبر. الانتفاضة الاولى جلبت اسرائيل الى اتفاقات اوسلو. عرفات عاد، ورجاله تلقوا السلاح. مدينة غزة سلمت للسلطة و 40 في المئة من اراضي يهودا والسامرة سلمت لحكم فلسطيني ذاتي.
انتفاضة الاقصى دفعت شارون الى فك الارتباط. قطاع غزة وشمال السامرة اخليا من المستوطنين. والشعب اصبح يمينيا اكثر ولكن مع استيطان اقل. هذا هو الشرك لمن لا يريد أن يرى اخلاء آخر للمستوطنات. ليس لدولة اسرائيل اراضٍ اخرى يمكن هجرها. والحسم العسكري لموجة العنف الفلسطيني يستوجب الموقف من الانتصار الذي يلي ذلك.
وهنا يدخل ابو مازن – المشكلة والحل. ابو مازن هو شخصية معقدة. فهو ليس ارهابيا كعرفات، ولكنه متعاون من الصنف السابع. فهو يكره اسرائيل، يقاتلها بالدبلوماسية والتحريض الفظيع. ولكنه لا يبعث بالارهاب بكلتي يديه. هو يمقتنا ولكنه يتعاون. لا يمكن الثقة به، لا يمكن التوقيع معه على اتفاقات (خلافا لاماني السياسيين الاسرائيليين) ولكن هذا هو الموجود.
القاعدة الاولى التي يتعلمها مسؤولو الاستخبارات هي انه يجب ايجاد الزر الصحيح من اجل تفعيل الناس. المال، الخوف، المحبة، الاحترام، الردع. ابو مازن لم نعد نُفعله، في هذه الحالة نعلق به الامال الزائدة ونغضب. صحيح حتى اليوم الانتفاضة تندلع واسرائيل تهدىء الخواطر لذاتها اساسا.
يديعوت
يوعاز عندل