غزة تنتظر تنفيذ المرحلة الثانية... ومخاوف من الضبابية الإسرائيلية

غزة تنتظر تنفيذ المرحلة الثانية... ومخاوف من الضبابية الإسرائيلية

زمن برس، فلسطين:  لا يزال من غير الواضح الموقف الإسرائيلي النهائي من الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الخاصة بقطاع غزة رغم الخطوة التي أقدمت عليها حركة حماس ومعها فصائل المقاومة بالموافقة على خريطة الطريق وملف نزع السلاح وتسليمه لجهة فلسطينية، بإشراف الوسطاء.

ويبدو من الناحية الإسرائيلية أن الخطوة الفلسطينية غير كافية، فسلوك الفريق الحاكم في تل أبيب يظهر وكأنه يريد استمرار الحرب والتصعيد الميداني لا انتهاء الأمر والانتقال إلى مرحلة جديدة وحكم جديد في غزة بإشراف دولي. وتسيطر حالة من الضبابية وعدم الوضوح على الموقف الإسرائيلي، وترجع هذه الحالة التي تسيطر على الموقف لأسباب عدة، أبرزها التصريحات التي صدرت عن وزراء المجلس السياسي والأمني الإسرائيلي المصغر "الكابينت" والذين أبدوا تحفظهم على بنود الاتفاق، وحالة التصعيد الميداني التي أعقبت إعلان الوسطاء نجاحهم في الوصول إلى الصيغة المتوافق عليها سابقاً.

ونقلت هيئة البث الإسرائيلية العامة (كان 11)، الثلاثاء الماضي، عن مصادر في قيادة المنطقة الجنوبية في الجيش أن رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير أصدر خلال الأيام الأخيرة تعليمات بتقييد الهجمات في قطاع غزة. وجاء القرار في أعقاب إعلان "مجلس السلام" عن خريطة تنفيذ المرحلة الثانية في غزة، ومطالبة الممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف إسرائيل بوقف عمليات الاغتيال في القطاع ضمن التفاهمات بين إسرائيل والولايات المتحدة والوسطاء وحركة حماس، رغم أن ملادينوف انصاع لطلبات الاحتلال وشروطه، عبر تأكيده أن قوات الاحتلال الإسرائيلي لن تنسحب من القطاع حتى نزع سلاح "حماس" بالكامل، ما يعارض مسألة التدرج التي نص عليها الاتفاق.

نتنياهو: الجيش لن ينسحب من غزة

وكان نتنياهو قد قال في تصريحات هذا الأسبوع إن قوات الجيش لن تنسحب من غزة حتى يُنزَع سلاح "حماس" بالكامل، ملمّحاً إلى وجود تباين بين إسرائيل وإدارة ترامب بشأن اتفاق أعلن عنه أخيراً لنزع سلاح غزة. وهذا التباين ينعكس قلقاً وخوفاً على الفلسطينيين، الذين يتوقعون دوماً أن تنفذ إسرائيل ما لا تعلن عنه. وسبق أن أبدت حركة الجهاد الإسلامي تحفظها على ما نشر من نصوص في ظل عدم وجود ما أسمته ضمانات كافية لتنفيذ الاحتلال التزاماته في قطاع غزة والشروع في عملية وقف العدوان والانسحاب من الأراضي التي يوجد فيها، غير أن مصادر متعددة قالت لـ"العربي الجديد" إنها أبدت موافقتها لاحقاً رغم التحفظات.

وقال مصدران، لـ"العربي الجديد"، إنّ مجلس السلام الذي تبلغ بالقرار الإسرائيلي القاضي بوقف الاغتيالات نقل الأمر إلى الوسطاء، وينتظر أن تتلقى "حماس" والفصائل الفلسطينية منهم الموقف. وأضاف المصدران أن لا "ثقة" فلسطينية بالقرار الإسرائيلي، حيث سبق أن تعهد الاحتلال بمثل هذا في مرات سابقة ولم يلتزم، بزعم قيامه بعمليات من أجل إحباط ما يسميه "التهديدات الفورية"، رغم السلوك الميداني للفصائل الذي يشير إلى هدوء تام من قبلهم.

تصريحات ملادينوف تدعو إلى الإحباط

إلى ذلك، قال مصدر قيادي في الفصائل الفلسطينية، لـ"العربي الجديد"، إنّ تصريحات ملادينوف عقب لقائه قبل يومين نتنياهو "تدعو إلى الإحباط والقلق". وذكر المصدر أنّه طُلب من ملادينوف الرد على مخاوف الفصائل عقب هذه التصريحات، لكنه لم يرد حتى الآن. وفي هذا السياق، نشر عضو المكتب السياسي لحركة حماس باسم نعيم على حساباته بوسائل التواصل تصريحاً مقتضباً قال فيه إنه "لا نزال في انتظار رد رسمي من ملادينوف على ما تم التوافق عليه معه والوسطاء حول خريطة الطريق لتنفيذ المرحلة الثانية، بخاصة في ظل ما أبدته الحركة من مسؤولية عالية في التعاطي مع ما عرض عليها. ونقدر عالياً ما صدر عن الوسطاء بتحميل العدو مسؤولية الجرائم المستمرة والتعطيل المتعمد للاتفاق".

مصدر قيادي في الفصائل الفلسطينية: تصريحات ملادينوف عقب لقائه نتنياهو تدعو للإحباط والقلق

من ناحيته، قال مدير مركز رؤية للتنمية السياسية، أحمد عطاونة، لـ"العربي الجديد"، إن ما جرى تداوله بشأن "وقف الاغتيالات" في قطاع غزة لا يعكس تغييراً جوهرياً في سياسة الاحتلال، بقدر ما يشير إلى إعادة تنظيم آلية اتخاذ القرار، بحيث تصبح عمليات الاغتيال والاستهداف مرهونة بموافقة رئيس أركان جيش الاحتلال. وأوضح أن الحديث لا يدور عن تجميد أو وقف لهذه العمليات، وإنما عن تقييدها إدارياً وربطها بمستوى قيادي أعلى، وهو إجراء يمكن التراجع عنه أو تعديله في أي وقت. وكشف أنّ هذه الخطوة تبدو محاولة لإظهار قدر من الانسجام مع الضغوط الأميركية وجهود الوسطاء، ولا سيما بعد المواقف الغاضبة الصادرة عن قطر وتركيا ومصر، على خلفية الموقف الإسرائيلي من خريطة الطريق، إضافة إلى تصريحات المجلس الوزاري الإسرائيلي التي ربطت أي انسحاب باستكمال تدمير السلاح في قطاع غزة.

وبشأن فرص التزام الاحتلال بأي اتفاق جديد، أكد عطاونة أن التجربة التاريخية لا تدعو إلى التفاؤل، مشيراً إلى أن الاحتلال اعتاد توقيع الاتفاقيات ثم التنصل منها أو تعطيل تنفيذها، سواء منذ اتفاق أوسلو أو خلال الاتفاقات الأخيرة المتعلقة بقطاع غزة. ولفت إلى أن المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار شهدت استمرار عمليات القتل، وسقوط نحو 1200 شهيد وآلاف الجرحى، إلى جانب تعثر إدخال المساعدات، وعدم فتح معبر رفح بالشكل المتفق عليه، ووصول نحو 35% فقط من الشاحنات، فضلاً عن غياب أي تقدم في ملفات البنية التحتية والطاقة والصحة والتعليم، ما يعكس استمرار سياسة المماطلة والمراوغة الإسرائيلية.

وتقتصر خيارات الفصائل، وفق عطاونة، على استمرار الضغط عبر الوسطاء، وتفعيل التحرك العربي والإسلامي والدولي، خصوصاً لدى الأطراف القادرة على التأثير في الولايات المتحدة للضغط على الاحتلال، مشدداً على أهمية استمرار الجهود لتحقيق توافق فلسطيني على برنامج وطني مشترك يضم الفصائل، بما يسهم في تعزيز الموقف الفلسطيني.

4 آلاف خرق منذ بدء الهدنة في غزة

وبحسب بيانات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فقد سُجِّل أكثر من 4 آلاف خرق منذ بدء سريان قرار وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، شملت اعتداءات برية وجوية وبحرية، واستهدافاً مباشراً للأحياء السكنية ومراكز الإيواء، إضافة إلى أكثر من 1252 شهيداً ارتقوا نتيجة هذه الخروقات والاعتداءات الغادرة، أغلبهم من الأطفال والنساء والمدنيين العُزّل، وأكثر من 4120 جريحاً أصيبوا بجروح متفاوتة الخطورة.

المشهد الحالي يخدم استراتيجية نتنياهو

في الأثناء، قال الكاتب المختص في الشأن الإسرائيلي محمد هلسة، لـ"العربي الجديد"، إن نتنياهو لم يُفاجأ بالتطورات الأخيرة المتعلقة بالمفاوضات، بل سعى إليها واستثمرها سياسياً، معتبراً أن المشهد الحالي يخدم استراتيجيته الداخلية والخارجية. وأضاف هلسة أن نتنياهو ينطلق من قناعة بأنه حقق خلال الأشهر الماضية مكاسب كبيرة، أبرزها استعادة الأسرى الإسرائيليين وجثامينهم، إلى جانب انتزاع التزام من حركة حماس وفصائل المقاومة ببنود اتفاق وقف إطلاق النار، في وقت واصل فيه الاحتلال عملياته العسكرية، والانتهاكات اليومية، وفرض القيود على المعابر وإدخال المساعدات.

محمد هلسة: المشهد الحالي يخدم استراتيجية نتنياهو الداخلية والخارجية

وبحسب هلسة، فإن نتنياهو كان على دراية بما يدور في كواليس المفاوضات بين الوسطاء وحركة حماس، ولا سيما النقاشات المتعلقة بملف السلاح، ولذلك حاول استثمار هذه المرحلة لتكريس فكرة أن المقاومة باتت مستعدة لتقديم تنازلات في هذا الملف، تمهيداً للبناء عليها سياسياً وإعلامياً.

وعن دور ملادينوف والأحاديث الفلسطينية عن انقلاب في موقفه، رأى هلسة أنه لا يمكن الحديث عن "انقلاب" في موقفه، باعتباره يعمل ضمن السقف السياسي الأميركي والإسرائيلي، مشيراً إلى أن الإدارة الأميركية أعلنت بوضوح أن نزع السلاح يسبق أي انسحاب إسرائيلي، وهو ما يجعل مواقف الوسطاء منسجمة مع هذا التوجه. ولفت إلى أن الاستراتيجية الإسرائيلية تقوم على إعادة صياغة شروط الاتفاق بصورة تدريجية، عبر خلق ذرائع جديدة والبناء على ما تحقق في جولات التفاوض السابقة، مشيراً إلى أن نتنياهو بدأ بالفعل بالترويج داخل الإعلام الإسرائيلي لفكرة أن الضغط العسكري أجبر حركة حماس على تقديم تنازلات بشأن السلاح، تمهيداً لرفع سقف المطالب الإسرائيلية مستقبلاً.

ورأى أن تصعيد الاحتلال في هذا التوقيت، رغم الأجواء الإيجابية التي يتحدث عنها الوسطاء والأطراف العربية، يرتبط أيضاً بالحسابات الانتخابية لنتنياهو، الذي يسعى إلى توظيف الملف الفلسطيني لتعزيز موقعه السياسي، وإظهار نفسه أمام الجمهور الإسرائيلي، باعتباره القائد القادر على فرض شروطه حتى في مواجهة الضغوط الأميركية.